عيسى الجوكم

شعب فقير .. غني بالرفاهية ..!!

سجل كثيرا , وفرح كثيرا , وهتفت له الجماهير كثيرا , لكن ردة فعله كانت مختلفة هذه المرة. ففي المونديال للهدف خصوصية مهما علا اسم النجم , وبلغت شعبيته , وكثرت إنجازاته. عاش الأسطورة ميسي هذا الشعور , وهو يحتفل بهدفه الأول المونديالي في البوسنة, أكرر في البوسنة , ورغم ذلك كانت فرحته تصل الشرق بالغرب والشمال بالجنوب , وكل من تابعها وتعمق في ملامحها تساءل باستغراب: هل صاحب الهدف ميسي الذي صال وجال في هز الشباك؟! لغة الأهداف في المونديالات مختلفة في فرحتها وقيمتها , وإلا لما كانت فرحة ميسي بهدف البوسنة, بتلك التعابير والمشاعر الجياشة. ويبدو أن مونديال السامبا مختلف في كل شيء, فالبداية لم تكن متدرجة لا في المستوى ولا في النتائج ولا حتى في الاهتمام. فالقمم طلت مع قص الشريط , هولندا أتخمت شباك حامل اللقب , والطليان كرروها مع الإنجليز , وبالأمس كانت القمة الثالثة بين البرتغاليين والألمان , ولم يعط هذا المونديال فرصة لالتقاط الأنفاس لمحبيه ومتابعيه. مونديال البرازيل بصمة في كل شيء , في تناقضاته للشعب الذي يعتبر كرة القدم خبزه اليومي فنسي همه وفقره وحالته المدقعة, وترك الشوارع , ومكث في المدرجات. ويبدو أن أفضل سلاح استخدمته الحكومة البرازيلية لإخماد ثورة الفقراء هو إطعامهم بكرة القدم , التي يتوقف عندها الشعب البرازيلي «كباره وصغاره ورجاله ونساءه» فينسون كل شيء ويحلقون معها في سماء الفرح والطرب , مهما كانت أوجاعهم وآلامهم. علاقة البرازيليين بكرة القدم تتخطى النظرية التقليدية في مصطلحات الفوز والخسارة, فهي قريبة من ايديولوجية حياة, تفرحهم وتحزنهم, لكنها طريق مفروش بالورود للفقراء الذين كانوا في صغرهم يعانون العدم والجوع, فرفعتهم كرة القدم للسماء في مقدمتهم بيليه ورماريو ورنالدينيو والظاهرة وكوستا وغيرهم الكثير. لا أعرف في التاريخ شعب ملء الشوارع, واقترب من إسقاط حكومته, وتوقف من ذاته لأجل كرة القدم مثل الشعب البرازيلي , في موقف أذهل العالم كله , خصوصا عندما تحول الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم إلى الملاعب , وكأنهم قرروا مشاهدة مباريات منتخب بلادهم على حساب جوعهم. هل تعرفون أناسا يحبون المجنونة أكثر من البرازيليين؟ شعب يعيش على الموسيقى والكرة , ويعشق الفن والإبداع , ورغم فقره بدأت البرازيل تدخل كقوة عظمى اقتصاديا, فقد احتلت مؤخرا المركز السادس عالميا. الرفاهية من الداخل , أفضل بكثير من الرفاهية الخارجية , وبعيدا عن الملابسات. فالشعب البرازيلي يعلم العالم كله كيف يضحك وهو مهموم , وكيف يبتسم للحياة وهو لا يملك قوت يومه , وكيف يعيش سعيدا وهو محاط بالهموم , وكيف يعيش غنيا وهو لا يملك المال , هذه حقيقة مكتشفة في بلاد البن من زمان , لكنها تتعزز مع مرور الزمن. ليتهم يوردون لعالمنا العربي رفاهيتهم من السعادة الداخلية , بدلا من الفشخرة التي يعاني منها الأغنياء قبل الفقراء ولغتهم المشتركة ( التذمر ).