العلاقة بين المحامي والقاضي
تتولى السلطة القضائية إقامة العدل ورد الظلم وإحقاق الحق عصمةً للدماء والأعراض والأموال ولإعطاء كل ذي حق حقه. وتتحقق هذه الغاية النبيلة بالتعاون المشترك بين القضاء ومهنة المحاماة، لأن المحامي يعاون القاضي في تحقيق العدل وكشف الحقائق والوقائع بشكل واضح كما يقوم بإثباتها بالأدلة المعتبرة شرعاً ونظاماً. فدور المحامي هو القيام بما يستلزمه حق الدفاع عن حقوق موكله من خلال تقديم الأدلة والمستندات التي تدعم دعواه لكشف الحقيقة بعيداً عن التعدي على حقوق الخصم وهو ما يتطلبه شرف وأخلاقيات المهنة. أما دور القاضي فهو إعطاء الوصف الشرعي أو النظامي لوقائع الدعوى المعروضة عليه ثم يقوم بكل حيادية بإنزال الحكم على الواقعة موضوع الدعوى بعد تكييفها وتسبيبها.القاضي والمحامي هما جناحا العدالة يعملان جنباً إلى جنب في سبيل إظهار الحقائق وكشف الشبهات حتى تأتي الأحكام معبرة عن نصرة الحقوهذا التعاون المثمر بين المحامي والقاضي يتطلب من القاضي التعاون مع المحامي من خلال إتاحة الفرصة له للقيام بواجباته المهنية تجاه موكله بالطريقة التي يراها مناسبة وهذا ما يلمسه المحامي اليوم عند مداولة قضية ما حيث إن النظام كفل له تقديم الأدلة وإبداء الدفوع والاعتراضات وغيرها من ضمانات المحاكمة العادلة دون أن يسأل عما يكتبه أو يقوله بشرط أن يستلزمه حق الدفاع وأن لا يكون مخالفاً لأحكام الشريعة أو النظام، وقد أكدت المادة الثالثة عشرة من نظام المحاماة السعودي رقم (م/38) وتاريخ 28/7/1422هــ على ذلك حيث نصت على أنه: «مع مراعاة ما ورد في المادة الثانية عشرة، للمحامي أن يسلك الطريق التي يراها ناجحة في الدفاع عن موكله، ولا تجوز مساءلته عما يورده في مرافعته كتابياً أو مشافهةً مما يستلزمه حق الدفاع».وقد لا ينجح المحامي في كسب الدعوى وفي هذه الحالة يجب عليه إبداء الاحترام الكامل لأحكام القضاء والبعد عن كافة الوسائل الأخرى التي ترمي القضاة بالتقصير أو الانحياز لطرف ضد آخر، بل يجب عليه أن يحتفظ بمبادئه وبأخلاقيات المهنة وأن يظهر الرضا والقبول بأحكام القضاء وأن يدخر جهده لاستخدام أنجع الوسائل القانونية للطعن في الحكم إذا كانت لديه قناعة كاملة بأن الحكم قد شابه القصور في التسبيب أو الخطأ في الاستدلال، وفي كل الأحوال يجب أن يتسم النقد بطابع الاعتدال والموضوعية والبعد عن كل ما يخل بسير العدالة دون انتقاص من دور المحامي في الدفاع عن حقوق موكله. ولا يجوز للمحامي عند الطعن في حكم معين أن يتعرض لأي جانب قد يمس مجريات العدالة حتى مع قناعة المحامي التامة بأن الحكم المطعون فيه قد خالف أحكام الشريعة والنظام.وجدير بالذكر أن العديد من القضاة في كثير من دول العالم كانوا يزاولون المحاماة في بداية حياتهم المهنية قبل توليهم وظيفة القضاء، وخير مثال على ذلك قضاة محكمة العدل الدولية إذ أن غالبيتهم ممن زاولوا مهنة المحاماة وتدرجوا في حياتهم المهنية حتى أصبحوا قضاة وقاموا بتوظيف خبرتهم الطويلة في مجال مهنة المحاماة لتستفيد السلطة القضائية منها في تحقيق العدالة والوصول إلى الحق. ليس هذا فحسب بل إن هناك العديد من دول العالم كانت وما زالت تطلق على المحامي لقب صديق المحكمة نظراً لقوة الروابط والأواصر التي تجمع بين القاضي والمحامي.وختاماً يمكننا القول إن القاضي والمحامي هما جناحا العدالة يعملان جنباً إلى جنب في سبيل إظهار الحقائق وكشف الشبهات حتى تأتي الأحكام معبرة عن نصرة الحق ورفع الظلم وحماية الحقوق لأنهما يشتركان في تحقيق غاية واحدة وهي حماية حقوق الناس ورفع الظلم وتحقيق العدالة.