منافسات خارج التوقع والاهتمام
من يتذكر منكم القضايا والمحاكمات، التي جرت بين عملاقي الصناعة العالميين في المنتجات الإلكترونية الدقيقة؛ الشركة الأمريكية أبل - والشركة الكورية الجنوبية سامسونج؛ ربما يظن بأن الأمر عابر، ويتعلق بحقوق هنا، أو بشروط تنتهك هناك. لكن واقع الأمر أكثر من ذلك، حيث يتنافسان على اقتسام الكعكة العالمية من الصناعة التي تخصصا فيها، وبسبب جديتهما في الإنتاج والابتكار، جرى إقصاء بعض المنافسين، الذين كانوا يسيطرون على الساحة لفترة طويلة (على وجه الخصوص في مجال الهواتف كل من نوكيا وإل جي وبعض المنتجين الأوربيين الآخرين).في حين تعمل أمم الأرض بإخلاص؛ لاحتلال موقع لها تحت الشمس، يتنافس رفاقنا في كيفية إفحام الخصم وتفنيد حججه، ثم الفخر بما تحقق بالكلام! فبعد القفزات التي حققها كل منهما على حساب آخر منتج أصدره منافسه؛ سواء من حيث الخفة أو جمال المنتج أو سهولة استعماله، أو وفائه ببعض المتطلبات المستجدة، أو حجمه وربما كفاءة شاشته... إلخ، تلك العناصر؛ بدأ كل منهما يعد المفاجآت، التي يقصد بها إبعاد نسبة من جمهور الآخر، وجذبهم إلى منتجاته. وأخيراً صدرت بعض التسريبات أن شركة أبل بصدد إنتاج الساعات الذكية، التي تسهم في قياس كثير من متطلبات جسم الإنسان، بوصفها أجهزة طبية حيوية تساعد كثيراً من الأشخاص الذين يحتاجون إلى متابعة مستمرة لمستوى السكر في الجسم، أو وضع ضغط الدم، ونبضات القلب، بالإضافة إلى مؤشرات حيوية أخرى لدى ممارسي الرياضة من قيادة الدراجات أو الركض والرياضات التي تحتاج إلى متابعة مستمرة دون التوقف عن النشاط. وقيل، إن ذلك قد جرى تصميمه والإسراع في إنتاجه (متوقع في أكتوبر من هذا العام)، رداً على المنتجات المزمع طرحها في الأسواق قريباً من قبل شركة سامسونج الكورية. فكل منهما لا يريد أن يتفرد الآخر بالسوق في نقلة قوية تجعل حصة المنافس في السوق تزداد عن حصته؛ بمعنى أن النمو مضمون في هذا المجال الحيوي والمتصاعد في أغلب دول العالم، لكنه عرضة لأن يميل إلى من يستطيع استقطاب شرائح أكبر من الجمهور.نظرت إلى كل تلك الهمة، والحرص والمتابعة لأوضاع الآخرين المنافسين لدى تلك الأمم الحية. وعندما أمعنت النظر فيما يلفت اهتمامنا عند الآخرين، وجدته لا يتجاوز: كيف يعتقدون في أديانهم، وكيف ينظرون إلى ما نعتقده، وأي أصناف المجتمعات حري بأن نقدره، لأنه يقترب مما نعتقده، ويقدر كل معتقداتنا أو يدّعي بأنه يقدرها؟ عندها فهمت سبب ضيق بعض مجتمعات الأرض بنا، وسبب كون النفط - الذي هو منحة جيولوجية خالصة، لا علاقة لنا بوجوده إلا من خلال المصادفة- هو مبرر تحمل المجتمع الدولي لنا.فما يثيرنا الآن هو أقوال زعماء الغوغائية، من مصادر الخطب والادعاءات المتنافسة في محاضرات كلامية مباشرة، أو تلفزيونية، أو حتى مؤخراً من خلال الانترنت، وعلى وجه الخصوص وسائل التواصل الاجتماعي. أي أن ما يحرك الناس ليس الاقتصاد، ولا التقدم العلمي ومتبكراته، ولا الإبداع الإنساني في الفنون والرياضة والتعليم ووسائله؛ بل الكلام والجدل بكل أصنافه. فهل يصدق علينا، بأننا أمة كلام بحق؟ نعم، نتناقش في التاريخ، وفي العصر الحديث: هل أردوغان محق في زعامته أم هو غير ذلك؟ وملايين الكلمات تهرق عن الاختلاط وأضراره أو منافعه، وهل قيادة المرأة للسيارة حل أم هي كارثة إذا وافقت عليها السلطات؟ مماحكات لفظية لا تنتهي، ثم ماذا؟ إنها منافسات في غير محلها .. ففي حين تعمل أمم الأرض بإخلاص لاحتلال موقع لها تحت الشمس؛ يتنافس رفاقنا في كيفية إفحام الخصم وتفنيد حججه، ثم الفخر بما تحقق بالكلام!