مجتمع المعرفة.. الهدف المنشود
أفادت دراسة عن "واقع القراءة الحرة في المملكة العربية السعودية" ونشرت في 2012م أن 75% من السعوديين يقضون 10 دقائق يوميا في قراءة النصوص الالكترونية، في مختلف مجالات القراءة، ووصفت إحدى الصحف المحلية هذه الدراسة أنها تعد من أوسع الدراسات التي أجريت على المجتمع السعودي تحت هذا العنوان، وقد أجرتها "المجلة العربية" على عشرة آلاف شخص من مختلف مناطق المملكة، وهي دراسة تشكل مؤشرا يستوجب التأمل، في ظل عدم اعتراف نسبة كبيرة من القراء بسطوة النشر الإلكتروني، واحتمالات مزاحمته للنشر الورقي، وهيمنته على اهتمام القراء، وهي هيمنة أثبتت وجودها "أمازون" وهي شركة تسويق عالمية كبرى للكتب، معروفة لدى معظم جمهور القراء، وقد أكدت أرقامها المعلنة النمو السريع لتسويق الكتاب الإلكتروني.القراءة الإلكترونية لمدة عشر دقائق في اليوم، لا تشكل خطراً حقيقياً على القراءة الورقية في المنظور القريب، خاصة أنها لا تعني دائما القراءة الجادةوما يعنينا هنا هو ما يخص مجتمع المعرفة في بلادنا، ومدى تأثير النشر الإلكتروني على توسيع دائرة المجتمع المعرفي المنشود، بشكل فعال ومؤثر في التحصيل المعرفي الذي يسهم في دفع الحراك التنموي على أرض صلبة، وبأدوات تعتمد على المنجز التقني العالمي، دون أن تتخلى عن المهارات الفردية باعتبارها المعبر الحقيقي للاستفادة من ذلك المنجز التقني العالمي.والقراءة الإلكترونية لمدة عشر دقائق في اليوم، لا تشكل خطراً حقيقياً على القراءة الورقية في المنظور القريب، خاصة أنها لا تعني دائما القراءة الجادة الباحثة عن المعرفة الحقيقية، فهي في معظمها قراءة سطحية لثقافة ضعيفة.. قراءة تقتصر في معظمها على تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وما تتضمنه من مواد تتسم بالسلوك الاستهلاكي السريع الذي لا يترك أثرا معرفيا عميقا وواضحا، فهي لا تخرج عن كونها (قراءة) لا تضيف لقرائها رصيدا معرفيا يمكن الاستفادة منه، بل تشكل في بعض الحالات عائقا كبيرا للحصول على ذلك الرصيد المعرفي المطلوب، عندما تستهلك وقت القارئ، بحيث لا يملك وقتا آخر يمكن أن يقضيه بحثا عن الرصيد المعرفي الذي هو الهدف من كل قراءة، فالقراءة غير الجادة، لا تسمى قراءة من منظور معرفي محدد، بقدر ما تعني جهدا لتبديد الوقت، دون النظر لقيمة ذلك الوقت، وهي قيمة لا تعوض حتما، إذا أدركنا أن الثانية الواحدة تستنزف جزءا لا يمكن تعويضه كزمن ميكانيكي، بينما يمكن تعويضه كزمن معرفي بالإضافة المعرفية الجادة التي تفوق قيمتها المعنوية ذلك الزمن الذي تم هدره عبثا بأي وسيلة غير نافعة، حتى قال قائلهم: (إذا مر يوم ولم أتخذ يداً ولم أكتسب علماً فما ذاك من عمري) أو كما قال. طبعاً هذا لا يعني تجاهل مثل هذه الدراسات البحثية الجادة، بل يعني أن 10 دقائق في اليوم، لا تعني أن كل المواطنين يقضون هذه الدقائق في القراءة الإلكترونية، بل هي تعني نسبة 75% من عشرة آلاف مواطن من كل سكان المملكة، وهي نسبة قابلة للنقص أو الزيادة في حالة زيادة أعداد الخاضعين للدراسة، لعدة اعتبارات، منها نسبة الأمية في المجتمع، كذلك نسبة المتعاملين مع تقنيات الوسائل المساعدة على القراءة الإلكترونية كالحاسوب والإنترنت والهواتف الذكية، وغيرها، وهي منتشرة بين الصغار أكثر من انتشارها بين الكبار، فما زالت نسبة لا يستهان بها بين الكبار تجهل التعامل مع هذه الوسائل، أو ترفض التعامل معها من الأساس.إن الأهم ليس الكساد الذي قد تعانيه القراءة الورقية نتيجة الزحف السريع عليها من قبل القراءة الإلكترونية، ولكن المهم هو أي الوسيلتين أكثر نفعا في اختصار الطريق لمجتمع المعرفة في بلادنا، وما بقي بعد ذلك مرهون بالزمن الذي سيفرض حتما ما ينسجم مع روح العصر سواء كان ذلك في القريب أو البعيد من الزمن، لأن عجلة هذا الزمن لا تعرف التوقف.. وإن عرفته فإنها لا تعترف به، ومهما قيل عن القراءة، فإنها ستظل واحدة من أهم الركائز التي يبنى عليها مجتمع المعرفة.