أريدّ مشاهدة المباراة.. ولكن!
حال السفر ليس بوسعك السيطرة على جدولك تماماً، وهذا ما حدث لي يوم الخميس عندما كنت أعدّ العدة منذ الصباح لمشاهدة انطلاقة المونديال كرة القدم في البرازيل، عندما هاتفني صديق عزيز مع دعوة لا يمكن أن ترفض للعشاء، سألته بلهفة: متى؟ أجاب: اليوم الساعة التاسعة مساء. كنا في لندن، وهذا الوقت يتطابق مع انطلاقة المباراة. وهكذا، تبخرت الآمال في مشاهدة المباراة على الهواء مباشرة. وأصدقكم القول فلست من المتابعين اللصيقين لكرة القدم، لكن المونديال غير، ولو كنت أملك الوقت لما ترددت في الذهاب إلى البرازيل ومتابعة المباريات من هناك.كنت أحاول أن أخفف عن نفسي موضوع المشاهدة المباشرة، وبالفعل فقد انشغلت حتى قابلت أصدقاء على الغداء، وكان حديث الغداء السائد هو المونديال والمباراة بين كرواتيا والبرازيل، ويغادر لتناول ما يدور في منطقتنا من توغل "داعش" في العراق، ثم يعود الحديث مرة أخرى للمونديال، لأتخيل للحظة أننا أمام أكثر من منافسة، وإن كان الفارق كبيرا.وصلت للفندق حيث أنزل، ولم يبق على موعد العشاء إلا أقل من ساعة، وأجد نفسي موزعا بين متابعة ما يحدث في العراق، وبين هواجس المباراة الافتتاحية في البرازيلوفي طريق العودة أصرّ أحد الأصدقاء أن يذكرني بالمونديال الذي سبق، والذي حضره بدعوة من إحدى الشركات، فكان ضيفاً في المنصة، وقال: إنه كان يتطلع لمشاهدة المباراة الافتتاحية لكنه مدعو على العشاء، وهو محرج أن يعتذر من صديق عزيز. التفت إليه، فأدرك أنني في ذات "الخانة" الصعبة. لكن يبدو أن كلاً منا قرر أن يضحي بالمباراة ولا يفوت عشاء مع أصدقاء جمعتهم الاجازة والأعمال في لندن.كان يوماً حاراً في لندن، وأمامي مهمة جسيمة عليَّ القيام بها منها شراء بعض المستلزمات، كما أنني خصصت جزءاً من عصر ذلك اليوم للمرور بشارع أكسفورد لاحتساء الشاي وشيء من الحلوى في مقهى يجيد تقديم شاي العصر. أخذت في المسير، يتملكني شعور أني جلبت الطقس الحار معي، فالعرق يتصبب من شدة الحر، فدرجة الحرارة جاوزت 27! كيف أضيق بدرجة الحرارة هذه، وقبلها بأيام كنت سعيدا بأن نسائم الصباح في الرياض تلفحني بدرجة حرارة تتجاوز الثلاثين؟ لعل ذلك هو الفارق بين الثوب والبدلة.أقفلت عائداً للفندق مستخدما القطار "تحت الأرضي"، ومقلباً رسائل توتير وواتس أب، لأجد حشوداً منها تعلق على توغل "داعش" في الموصل. تساءلت: هل هي مفاجأة، فقد توغلت من قبل في أجزاء من سوريا، وها هي تتوسع في العراق! وصلت للفندق حيث أنزل، ولم يبق على موعد العشاء إلا أقل من ساعة، وأجد نفسي موزعا بين متابعة تويتر وواتس أب وما يحدث في العراق، وبين هواجس المباراة الافتتاحية في البرازيل. رغم ضيق ما بقي لي من وقت من استعداد للذهاب لدعوة الصديق، إلا أني وجدت نفسي غارقاً في تلك الرسائل، أقلب في تغريدات من أتابعهم في تويتر، قرأت عشرات منها، واستخلصت أن كلاً يغني على ليلاه. ورغم "حماوة" التجاذب بين فرقاء الطوائف، إلا أن أمر المونديال يخبو ويطفو بين التغريدات.وفي وسط استغراقي ذاك، أخذ الجوال يهتف بإصرار، ليخرجني مما أنا أتابعه. أوه، هذا صديقي صاحب الدعوة، بعد التحايا أخذ يشرح لي كيف أن دعوته أتت في وقت غير مناسب. حقيقة، لم أفهم ما يقصد؛ هل هي غير مناسبة بسبب المباراة أم بسبب الأحداث في العراق؟ فأوضح: بأنه قد ألغى حجز العشاء، لنتناوله في غرفته في الفندق. سألته: لماذا؟ حتى نتابع المباراة سوياً، جاءتني الإجابة. سرني ذلك التعديل في البرنامج، وقفزت في أول تاكسي، لأجد السائق منغمساً في متابعة المباراة، لكني لاحظت لكنته الأجنبية، فتبين لي أنه من إحدى البلدان الإسلامية، وأخبرني أنه يعمل سائق تاكسي منذ خمس سنوات، وأنه سعيد بهذا العمل، وسألني عن موطني، ثم خفض الصوت ليسألني إن كنت أتابع ما يحدث في العراق؟ فأدركت أنه كذلك يتابع المباراة لكن قلبه وعقله في مكانٍ آخر. وصلت إلى غرفة صديقي، لأجد بصحبته أصدقاء آخرين، وكانت قد انطلقت المباراة، وقد فاتني جزء منها والنتيجة واحد:واحد. حدثت نفسي، بأنها فرصة مع وجود الأصدقاء أن نسلي النفس قليلاً، وما أن هدأ اللعب قليلاً حتى أخذنا نتحدث في داعش والعراق والتأثيرات على المنطقة وموقف الأطراف المتعددة، ثم توقفنا بعد أن اشتدت الهجمات البرازيلية، وعاودنا بعد أن هدأت حدة تلك الهجمات، نحلل السيناريوهات المحتملة لأحداث العراق. واستهلكنا وقت المباراة على تلك الشاكلة، مع فواصل من الجدل حول صحة "البنلتي" وقدرات الحكم الياباني. انتهت المباراة ووصل العشاء، ليمتد الحديث طويلاً حول العراق، أدركت أن المباراة انقضت سريعاً كما العشاء، أما ما كان ماكثاً فهو أوضاع منطقتنا التي تصحو كل صباح على حال.