الفوضى الخلاقة..!!
لغة الجمال والمتعة، والتنفس بسيجارة الفن داخل المستطيل الأخضر، عرف بها منتخب الطواحين منذ أن قدم كرويف نفسه كنجم مهاري أنيق، في مواجهة اللغة السائدة في أوروبا آنذاك، وهي القوة والشراسة والعنف الكروي التي تعتمد عليها المنتخبات الأوروبية وعنوانها في ذلك البنية الجسمانية. ويمكن القول إن الهولنديين هم أول من أدخل مفهوم المهارة الفردية، والسلاسة الجماعية في القارة العجوز في حقبة السبعينات من القرن الماضي بزعامة الأسطورة كرويف، وامتد هذا التأثير لأسبانيا والبرتغال وكرواتيا. ما بين المدرستين الأوروبية وأمريكا اللاتينية، قوة وانضباط للأولى، وفن ومتعة في الثانية، وتزعم المدرسة الأولى ألمانيا وإيطاليا وإنجلترا، في حين أن البرازيل والأرجنتين مثلتا المدرسة الثانية بكل جدارة. ولكن الفن والمتعة والروقان في المساحة الخضراء، قد لا يجلب الألقاب، والمنتخب الهولندي مثال، فهو من أعظم الفرق التي قدمت النمط الموسيقي داخل الملاعب، لكن حظه العاثر لم يقده إلى لقب مونديالي، رغم وصوله للنهائي أكثر من مرة آخرها في جنوب إفريقيا 2010م. حتى السامبا توقفت ألقابه المونديالية من العام 1970م حتى العام 1994م بسبب الغوص في المهارة والمتعة والإبداع، وترك قاعدة الانضباط والتكتيك، وجاء كارلوس ألبرتو وأوجد حلا وسطا للكرة البرازيلية، وعادت للألقاب عامي 94م و2002م. أعتقد أن صاحب اللقب المنتخب الأسباني هو نموذج وسطي، أخذ من أمريكا اللاتينية فنها ومهارتها ومتعتها، ومن قارته الانضباط والقوة، ومثله البرتغالي، وأعتقد أن القرب الجغرافي من البرازيل له دور كبير في هذه الخلطة التي قدمت للعالم أجمع فناً بدون فوضى.ومع ذلك تبقى هذه النظرية (المدرستان) لها بقايا حتى على المستوى الفردي، فالبرتغالي كريستيانو رونالدو وهو أوروبي يجمع الفن والمهارة والقوة، والأرجنتيني ميسي ابن أمريكا اللاتينية فني ومهاري بحت، ولكل قاعدة شواذ . لكل مدرسة مميزات وعيوب، ولكن منتخبات مثل ألمانيا وإنجلترا وحتى الطليان حققوا ألقاباً مونديالية، ولكنهم يقدمون كرة جافة في المحطة الخضراء، لا تتفاعل معها خلايا المخ ولا نبضات القلب، بعكس منتخبات مثل البرازيل وأسبانيا والبرتغال وهولندا، فهذه المنتخبات اذا كانت في يومها تشعرك أن جميع حواسك تتنفس متعة وانشراحاً وطرباً. وإذا كان مصطلح (الفوضى الخلاقة) في السياسة يبعث على الفرقة والمكر والكيد والتصادم، فهو في الرياضة مطلوب للغاية؛ لأنه يحافظ على الفن والمتعة والإبداع والابتكار، ويتيح للفرد تقديم المهارة تحت إطار المجموع، ويبقي التفاعل قائما ما بين الفن والانضباط، والمتعة والنظام، والطرب والإنجاز. وما دام الحديث عن السياسة والرياضة، فكل نجوم الفئة الأولى يتوارون أمام الفئة الثانية جماهيريا وإعلاميا، والواقع يؤكد ذلك في التظاهرات المونديالية.