د. فالح العجمي

البلطان والجابر ونماذج أخرى

يكثر التهكم بين المثقفين بالرياضيين، عندما يدلون بتصريحاتهم للإعلام، وكونهم لا ينطقون جملة مفيدة دون تأتأة، وعبارات معترضة لا علاقة لها بطبيعة السؤال، ولا الوقت المتاح. فليست في إجاباتهم عن أسئلة الصحفيين أو المذيعين أفكار متماسكة، ولا ألفاظ متسقة تدل على فهمهم السؤال، أو أن لديهم مغزى من التصريح. وقبل أيام استضافت قناة العربية رئيس نادي الشباب الأستاذ خالد البلطان، وكانت مقابلة مذيع البرنامج المتألق بتال القوس مع الضيف ثرية، وفيها أفكار واضحة ومنطق سليم؛ بخلاف الفكرة السائدة عن نجوم الرياضة وإداريي الأندية. فقد كان هذا الرئيس المثالي في مقابلته واضحاً وناضجاً في إجاباته، ومرتباً في أفكاره، وهادفاً في مغزى ما يريد إيصاله. ولو كان الرياضيون لدينا -فيما أظن- بهذا الوعي، فإن الرياضة كانت ستكون أفضل من وضعها الحالي بمراحل.حزّ في نفسي، أن أسمع في أحد البرامج مقابلة لأحد المدربين الوطنيين، الذي حصل على عرض للتدريب في قطر، وكان يشتكي بأنه لا يمكن أن يترك وظيفته الأخرىيشارك البلطان في هذه السمة لاعب فريق نادي الهلال لكرة القدم سابقاً، ومدربه حالياً، سامي الجابر، الذي اعتاد منه الإعلام أفكاراً مرتبة، ووعياً بما يقوله، وإدراكاً للوضع الذي يتحدث عنه؛ لا يصدر من هذه الفئة القليلة العدد -للأسف- تهويمات غير واقعية، أو إشادة بما لا يستحق الإشادة، أو بناء القصور في الرمال، أو إملال الناس من كثرة التعبيرات التي لا معنى لها. فهل يصعب على الرئاسة العامة لرعاية الشباب، أو الاتحادات الرياضية، إيجاد الشروط اللازمة لمثل هذه المناصب من إداريين ومدربين أو كباتنة في الفرق يكونون بحاجة إلى الإدلاء بتصريحات إعلامية؟ شخصياً سعدت بتأهل كل من فريق الاتحاد بقيادة المدرب الوطني خالد القروني، وفريق الهلال بقيادة المدرب الوطني الآخر سامي الجابر، إلى دور الثمانية في بطولة الفرق الآسيوية لكرة القدم. وأظن الاهتمام بمثل هذه الكوادر الوطنية لا يقل قيمة عن الاهتمام باللاعبين والملاعب والتجهيزات الأخرى؛ فلا أظن الفرق العالمية المتقدمة قد حققت مكانتها بأشلاء من القص واللصق، كما تفعل بعض فرق البلدان التي تتعثر سياساتها في البناء، لأنها تأخذ كل فترة استراتيجية جديدة، لا صلة لها بما كان قبلها من مراحل البناء. وكلما كان قادة الفرق والمؤثرون في الخطط من خارج المنظومة، كانت تداعيات الفوضى والتشتت بتضارب المصالح أكبر وأكثر تأثيراً في عدم نجاح أي منها. وإلا ففي مجال كرة القدم بالذات، لم يحصل بلد من البلدان على الكفاءات الرياضية العالمية، كما توفر لفرق كرة القدم لدينا؛ بدءاً من زاجالو وبيريرا وغيرهما من فطاحلة المدربين البرازيليين والإرجنتينيين، إلى عدد كبير من المدربين الأوروبيين المتميزين. ومع كل هذا لم يحدث تقدم تراكمي في مجال اللعبة على المستوى الوطني، كما لم يفد الوطن من تلك الأسماء بتوطين الخبرات، وإنشاء مراكز التدريب الفاعلة، والمستقطبة لكل أصحاب المواهب. فقد حزّ في نفسي، أن أسمع في أحد البرامج مقابلة لأحد المدربين الوطنيين، الذي حصل على عرض للتدريب في قطر، وكان يشتكي بأنه لا يمكن أن يترك وظيفته الأخرى، لعدم وجود المردود المادي الكافي والضمان المهني اللازم له في الوظيفة، رغم ما نسمع من الملايين التي تنفق بسخاء على أفراد أتوا لأسابيع، وأعاقوا تقدم المنتخبات أو الفرق التي دربوها، وأحياناً أعادوها إلى الوراء بمراحل. الفكر الاستراتيجي مكلف في تبنيه، لما يتطلب من الوقت والجهد، وفوق ذلك الصبر على عدم استعجال النتائج، كما هي الحال في فريقي الاتحاد والهلال (والذي أتمنى حصوله من إدارتي الناديين وجماهيرهما)؛ لكنه مثمر وطويل الأجل في نتائجه الإيجابية. وعسى أن تنال هذه الفكرة مباركة الجهات الراعية للرياضة السعودية، سعياً وراء الدفع الذاتي لتطورها.