د . فالح العجمي

أرامكو وسابك وثورة الغرافين

قيل الكثير عن شركة أرامكو (الأمريكية ثم السعودية)، وعرف عنها أبناء هذا البلد أكثر من الكثير، بعد أن وظفت أعداداً كبيرة جداً من شبابه، الذين تقاطروا على طرق الشرق، ليجدوا الوظائف في الوقت الذي كانت فيه شحيحة منذ ما يربو على ستين سنة. وهي واحدة من أكبر شركات النفط في العالم، إن لم تكن الأولى في مجال التنقيب عنه واستخراجه. كما عُرفت شركة سابك في الداخل والخارج (وخاصة في شرق آسيا وفي أوربا) بوصفها عملاقاً لصناعة البتروكيماويات، ومنافساً حقيقياً للشركات العالمية في هذا المضمار؛ ولهذا السبب بالذات واجهت منتجاتها عرقلة في بعض البلدان المنافسة: كالصين، والاتحاد الأوربي.هناك طفرات علمية متسارعة، تحصل في بعض تقنيات المواد، التي تدخل في اختصاص هاتين الشركتين؛ مثلما هي الحال في «ثورة الغرافين» ولا تخفى آثار نجاح هاتين الشركتين في مخيلة السعوديين على الإطلاق؛ ومن أجل ذلك كانت المقارنة دائماً حاضرة بين أجهزة البيروقراطية الحكومية، والأجهزة التنفيذية في شركة أرامكو على وجه الخصوص. بل ربما كانت تلك النجاحات هي مبرر استدعاء اسم أرامكو، كلما فشلت بعض الأجهزة الحكومية، رغم تجربتها – حالياً – الطويلة نسبياً في مد بعض خطوط سكة الحديد، التي عملتها أرامكو في بداية عملها بالمنطقة على وجه السرعة بين الدمام والعاصمة الرياض. وكذلك الأمر في المشاريع العملاقة التي أسندت إلى أرامكو، وهي أعمال مقاولات بالدرجة الأولى، مثل: جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، واستاد الملك عبدالله الرياضي في جدة الذي انتهت منه الشركة خلال سنة واحدة تقريباً. كل ذلك يقارن بالإخفاقات التي تعاني منها بعض أجهزة الإنشاءات الرسمية، أو الشركات الكبيرة المتخصصة في المقاولات، التي تسند إليها مشاريع كبيرة، وتستهلك ضِعف الوقت مع ضَعف الجودة وخلل في المنتج. وهو دليل على أن القيادة السعودية أيضاً مقتنعة بكفاءة هذه الشركة في مجالات أخرى غير التنقيب عن النفط واستخراجه. أما شركة سابك، فلكونها شركة مساهمة (في ثلثها المكتتب فيه) وخاضعة لوزارة المالية في النسبة المتبقية؛ فهي بالتالي غير قادرة إدارياً على الخروج عن إطار تخصصها الاستثماري في الصناعة وتجارة البتروكيماويات. لكن ما أرغب في طرحه بشأن هاتين الشركتين العملاقتين هو التالي.. أولاً: لماذا لا نرى لهما إسهاماً فاعلاً في مساندة البحث التقني المتقدم بإنشاء جامعات تعنى بالعلوم التي تدخل في اختصاص كل منهما؟ صحيح أنهما قد أسهمتا في دعم بعض المشاريع العلمية في عدد من الجامعات السعودية، مثل: جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة الملك سعود، وأنشأت كراسي علمية تتولى الشركتان الصرف عليها. لكن مثل هذه الجهود يقوم بها بعض رجال الأعمال وعدد من الشركات الصغيرة؛ أما أرامكو وسابك فهما شركتان بميزانيات تتقارب مع ميزانيات بعض الدول الصغيرة. لذلك، فإن المتوقع منهما أن تنشئا جامعات مستقلة، يكون البحث فيها قائماً على بعض التخصصات التي تدعم مراحل تطوير منتجات الشركتين، ورفع مستوى كوادرها بدورات علمية متقدمة في تلك الجامعات. ثانياً: هناك طفرات علمية متسارعة تحصل في بعض تقنيات المواد التي تدخل في اختصاص هاتين الشركتين؛ مثلما هي الحال في "ثورة الغرافين" التي تسعى بريطانيا لأن تصبح مصدر الجذب العالمي فيها. وهي المادة ذات الصلابة الهائلة وخفة الوزن الفائقة، فضلاً عن قابلية للبسط إلى حد بالغ الدقة؛ وهو ما يمكن أن يغير كثيراًً من مناحي الحياة البشرية؛ وهو الذي وصف بأنه أقل المواد سمكاً على الأرض وأقوى بمائتي مرة من الفولاذ. وقد بدأت تجربتها في الالكترونيات وفي قطاع الأدوية؛ وربما تتغير سمات كثير من المنتجات بعد هذا التحول في الجودة والمتانة والدقة وخفة الوزن. فهل هما فاعلتان؟