سوق العمل الفلسطيني المنهار
يقول الاقتصادي جون ماينرد كينز: «يمكن للاقتصاد أن يكون في حالة توازن، حتى ولو كانت العمالة أقل من كاملة.. وتخفيض الأجور لا يعتبر تصحيحاً أو علاجاً كافياً، فالعلاج ليس ممكناً بسبب رفض العمال لخفض الأجور، وإذا افترضنا جدلاً أن هذا الحل ممكن، فإنه سوف يؤدي إلى تقليص مستوى دخل المستهلك، وبالتالي تخفيض معدلات الطلب الاستهلاكي، الأمر الذي من شأنه أن يجعل أصحاب العمل يوظفون عدداً أقل من العمال»، هي دورة الاقتصاد والتنمية التي تقوم عليها نظريته.وممكن الأخذ بنظرية كينز لعلاج الفجوات الهائلة، في أسواق العمل العربية، ويمكن اعتمادها كقيمة اقتصادية رصينة، ولكن لا يمكن لهذه النظرية أن تنجح في سوق العمل الفلسطيني البائس؛ لافتقاده لمركزية الدولة، التي يرى كينز أنها المتحكم الرئيسي في الاقتصاد والتنمية.في تقرير حديث لمكتب العمل الدولي، بعنوان «وضع عمال الأراضي العربية المحتلة»، يصف حال العمال الفلسطينيين كحال السخرة، فتقييد الإسرائيليون لحركة التنقل؛ أثر على مستوى العمالة، والعيش اللائق بحسب تقرير للأمم المتحدة 2014.تصوروا أن من يعمر دولة المحتل ويبنيها، هم الفلسطينيون الذين تهدم منازلهم، وأن من ينمي الاقتصاد الإسرائيلي هم الفلسطينيون الذين يعتمدون على معونات منظمة العمل الدولية والمنظمات الإنسانية الأخرىوبالعودة لتقرير مكتب العمل الدولي، فإن هناك مائة ألف فلسطيني يعمل في الاقتصاد الإسرائيلي، يخضع لنظام قاس لمجرد الحصول على ترخيص عمل، أما غير الحاصلين على تراخيص فيعتبرون من العمالة السائبة، التي تمتهن إنسانيتهم وتنعدم حقوقهم كعمال؛ لأنهم ليسوا نظاميين. وبالطبع، فإن نظام الحصص والتراخيص هو أمر يقتصر على الفلسطينيين الذين هم تحت تسلط الإسرائيليين مباشرة كالضفة الغربية والقدس الشرقية، ويشترط هذا النظام شروطا غاية في القسوة، منها: أن يكون عمر الحاصل على ترخيص 26 عاما، وبعد محاولات تم تخفيضه إلى 24 عاما، وأن يكون متزوجا ولديه أطفال، ولعل أكبر من ذلك أن شواغر العمل في إسرائيل ومستوطناتها المحتلة هي في وظائف لا تقل قسوة عن اشتراطاتها، كالبناء والتصنيع والتجارة والزراعة.تصوروا أن من يعمر دولة المحتل ويبنيها، هم الفلسطينيون الذين تهدم منازلهم، وأن من ينمي الاقتصاد الإسرائيلي هم الفلسطينيون الذين يعتمدون على معونات منظمة العمل الدولية والمنظمات الإنسانية الأخرى، التي تسمى بالمانحة، لاستجداء ميزانية تذهب جلها لتمويل النفقات المتكررة: كالأجور والمعاشات التقاعدية وخلافه، لا إلى تأسيس اقتصاد استثماري مستدام.أما في غزة، فإن الوضع أكثر امتهاناً، بعد أن اعتمد أبناء القطاع المنعزل على الأنفاق، التي تبنى تحت الأرض؛ لتوريد البضائع والسلع فصارت لهم سوقاً، وان كانت تجارة غير قانونية وتشبه السوق السوداء، وذات ظروف عمل خطيرة، إلا إنها كانت محرك نشط للاقتصاد في القطاع، واليوم بعد التغييرات السياسية العربية، تم ردم الأنفاق، مع استمرار صعوبة الوصول إلى الموارد الإنتاجية والأسواق بسبب الحصار المفروض منذ 2007. ألا يحتاج ذلك الوضع لوقفة إنسانية! كيف يمكن بناء دولة ذات سيطرة كاملة على النشاط الاقتصادي بهذه الصورة؟