حسن السبع

شارع ومشروع

أسكنُ في الفِردَوس! هذا ليس مطلع قصيدة، بل اسم الحي الذي أسكنه، وبالتحديد حيث شارع عبدالله بن ربيعة، ولأني أكتب الشعر، فإني أعرف الشاعر عمر بن أبي ربيعة، وحين استعنت ببعض المراجع وجدت كثيرين باسم عبدالله بن ربيعة لكني أُرجِّحُ أن يكون الصحابي الذي ذكره ابن الأثير في (الكامل)، أي والي (الجند) البلدة التابعة إلى محافظة تعز باليمن.الشارعُ بالشارعِ يُذكر، وللكاتبة بدرية البشر رواية إطارها المكاني شارع الأعشى، أما شارعنا فيصلح أن يكون بطل رواية، بيني وبين الشارع «عِشْرة» طويلة، كان شارعا سكنيا هادئا هدوء الأرياف، ولأني "خُلِقتُ أَلُوفاً لو رجعتُ إلى الصِّبا لفارقتُ شيبي مُوجعَ القلب باكيا" فقد بقيت وفيًّا له رغم تحوله إلى شارع صاخب، يمكن لهذا الشارع أن يدخل موسوعة غنيس في عدد عمليات الحَفْرِ والردم، وفيه "يعيد التاريخ نفسه دائما" و.."ما آب من حُفَرٍ إلا وأرَّقه رأيٌ إلى حُفرٍ بالعزم يزمعه"، مع الاعتذار لابن زريق البغدادي مع الأيام أَلِفتُ الصخب، صرت لا أكتب إلا على صوت آلة الحَفْر التي إذا انقطع صوتها لسببٍ من الأسباب أُصبتُ بالاكتئاب.ما أتحدث عنه، هنا، يمثّل حالة عامة، وكثير من أحياء مدننا تردد قائلة: «يا ليل الحَفْر متى غَدُهُ!»لا يستمد شارعنا صخبه من آلة الحَفْرِ وحدها، فقد طلَّق الهدوءَ طلاقا بائناً منذ أن أصبح شارعا تجاريا، حين تكوَّن الحي في نهاية السبعينيات ظننت أنه سيكون حيا سكنيا خالصا، وإنني سأكتب في جو هادئ، وإن ساكن الريفيرا الفرنسية لن يتمتع بالهدوء نفسه، حتى بدأت المنازل تغير أشكالها، ويتطاول بنيانها، وتتحول (مرائب) السيارات وواجهات بعض البيوت إلى دكاكين، لم أكن فرحًا بذلك التحول، "سفلتوا" جزءًا منه ذات يوم، لكنه نُبِشَ بعد يومين. كثرت عندي الاحتمالات، أما أغرب احتمال خطر على بالي فهو أن المشرف على العمال قد افتقد ساعته اليدوية في اليوم التالي لسفلتة الشارع، فافترض أنها سقطت منه في الموقع نفسه؛ لذلك أعادوا الحَفْر بحثا عن الساعة، وكانت تلك هلْوَسة من هلوسات الأرق.الشارع مسفلت ومشجر ومضاء، لكنه يتحول عندما تسقط الأمطار إلى شارع في مدينة البندقية (فينيسيا) نعبره بالسيارة بدلًا من (الجندول) الذي تغنى به الشاعر علي محمود طه.في فجر أحد الأيام استيقظت على جعجعة الحفريات، ثم حاولت أن أستعيد طائر الكرى لكنه طار إلى غير رجعة، صرت أستيقظ كل صباح على ضجيج المعدات، قلت: مرحبا بالإزعاج مادام سينقذ شارعنا من الغرق شتاء، عندما رأيت الأنابيب العملاقة ابتهجت. "هذا مشروع لتصريف الأمطار.. لا فينيسيا بعد اليوم"! كان ذلك مجرد تخمين، ولأنه لا توجد لوحة تشير إلى ذلك، فقد اتصلتُ بصديق عضو في المجلس البلدي فقال: هو فعلا مشروع لتصريف مياه الأمطار، لكن المستفيد منه حي آخر!!أن يصبح الشارع، بين حين وآخر، ورشةَ عمل لا تهدأ فهو أمر هيّن، لولا ما يصاحب ذلك من انقطاع متكرر للماء، قبل أسبوعين توقف الماء ثلاثة أيام متصلة، خشيت أن يودي الظمأ بشجيراتي، فأدركتها بشاحنة ماء. وقد خُيّل إلي ما خيل لابن خفاجة حين قال: "وكأنَّ ما بين الغصونِ تنازعٌ فيه وما بين المياه جدال"!لم أذكر اسم المدينة، لأن ما أتحدث عنه، هنا، يمثّل حالة عامة، وكثير من أحياء مدننا تردد على إيقاع معدات الحَفْرِ قائلة: "يا ليل الحَفْر متى غَدُهُ"! مع الاعتذار للشاعر الحصري القيرواني.