د، محمد حامد الغامدي

صيد المفاليح

 قبل السادسة من العمر، سجلت في ذاكرتي صور، عشت طلاسمها قبل تشكّل عناصر الفهم. لا أعرف ما حصل قبلها من مسببات وأسباب. لا أعرف أيضا تداعياتها. صور بدون أحداث، ومع مرور العمر عرفت نسيجها. كانت جزءا من حبكة بناء ذاتي، لونت حياتي، شكلت بعض أبعادها. أحمل صورا لمشاهد غير مترابطة، لا تسرد حكاية كاملة لقصة. لم يستوعبها الوعي في حينه. كنتيجة، لا استطيع تسجيل تاريخ، ومسيرة أحداث بعض صور المواقف.  بعض الصور منقوشة في الذّاكرة، كنتاج رعب وخوف وتساؤلات. أذكر لكم بعضها، وقعت في طفولتي. عرفت لاحقا تفسير مشاهدها وأحداثها. يسعون لغرسها في النفوس الشابة، لتأكيد تقمّص بطولاتها. في حينه، القصد بناء المعايير كضرورة حياة. الرّاوي يشكل قوالب عمليات التعليم والتعلم. كطفل سجلت لقطات مشهد مر عليه أكثر من نصف قرن.   بعض الصور منقوشة في الذّاكرة، كنتاج رعب وخوف وتساؤلات. أذكر لكم بعضها، وقعت في طفولتي. عرفت لاحقا تفسير مشاهدها وأحداثها. يسعون لغرسها في النفوس الشابة، لتأكيد تقمّص بطولاتها في ضحى يوم عادي، كنت في وادي القرية، فجأة تغيرت رتابة حياته، إلى حراك مرعب. تعالت أصوات النّساء، من كل ركن وزاوية، بعرض الوادي وطوله، أيضا من فوق بيوتها. قرية تحتل هضبة تطل على الوادي الطويل. كانت الأصوات تردد شيئا لم أسمعه من قبل، (افلحوا يا مفاليح افلحوا)، الصوت مسموع بشكل عالٍ. تأتي العدوى لكل النّساء، كل من سمع الصوت منهن يردد نفس العبارة، بنفس القوة والحماس. التكرار ينذر بشيء غير عادي في حياة القرية. عندهم، الصوت للنساء والأفعال للرجال. أصوات أخرى تردد (السود فالكم). شاهدت النساء يلوحن بالشّال الأسود من فوق ظهور البيوت. تلويحة للرجال المنتشرين في حقول الوادي. فجأة أعقب تلك الأصوات صوت الزير. عرفت فيما بعد أن صوت الزير أشبه بصفارة الانذار. الزير يمثل صوت الرجولة وزمجرتها ورعبها. صوت الزير يستحث حتى البيئة للوقوف مع أهلها، حماتها وحراسها. تقافز الرجال بخفة وحماس، أمام نسائهم وأطفالهم وأمهاتهم وأخواتهم، البعض توجه إلى البيت للتزود بالسلاح. بعضهم طلب من البعض احضار سلاحه، سبقوهم نحو الهدف. شاهدت رجالا من أبناء القبيلة يعبرون القرية مدججين بالأسلحة المتاحة. بعضهم تحلّى بالمحزم الذي تتقاطر في مساحته حبات الرصاص الأصفر. هناك الجنبيّة أخذت مكانها في وسط قامة الرجال. هناك من يحمل (العطيف)، بعضهم يحمل (المسحاة)، ما أسعف الوقت بحمله. الوقت في هذا الموقف من ذهب.  كان صوت الزير يجلجل من أعلى قمة في القرية. يسري الصوت إلى القرى المجاورة التابعة للقبيلة. يتوافدون نحو انطلاق صوت الزير الأول. كبرت وعرفت أنهم كانوا يسعون إلى ساحة معركة قبليّة. لا مجال للتخاذل، حتى النساء يقمن بدور مهم في حث الرجال والأبناء والأزواج، دفاعا عن حياض القبيلة. لا يهم الموت. لا تهم الخسائر. النفير والمدد المدد. حتى اللحظات كانت تفرق. الدموع والنواح والبكاء يأتي بعد مرحلة الحسم، بعد أن تضع المواجهة أوزارها. الكل يعرف ما يجب فعله. البقاء بحقوقك أو الموت دونها.   ظلت صور الأحداث تتوالى من خلال شروحات دامت سنين طويلة. استطعت الربط بين الصور وقصتها. أسرع الرجال وخلفهم النساء. وصلوا الموقع المحدد. كانت الجموع قد وصلت. بنوا أمامهم جدران الحماية الصخرية. تمترسوا خلفها. منهم من يتخفى خلف صخور الموقع الطبيعية. كان الأصبع على الزناد، ينتظرون بدء إشارة الهجوم. كلا الطرفين في استعداد واحد، ومعايير واحدة. يعرفون بعضهم البعض. الموت قادم مع لحظة شيطانية، يمكن أن تترك جروحا غائرة، سترثها الأجيال، وقد ورث ذلك الجيل تلك الأزمة. كانوا يرون الدفاع عن (الحمى) واجبا. في واقع الأمر لا يدافعون عن الحمى، لكنهم يدافعون عن دماء أريقت، من أجيالهم الماضية على نفس المكان. التغاضي عندهم والتسامح يخلق الأطماع.  يقول الرواة من أبناء قريتي، رحمهم الله، فجأة جاءت الوفود، شيوخ قبائل أخرى تدخلوا لنزع فتيل شيطان تلك الساعة. جميعهم أهل وربع، لكن كل فرد يعرف حدوده، وحدود قبيلته وحماها، شرف ومسؤولية الجميع.  يقول الراوي، كان الزير حاضرا بصوته المجلجل، عرفت معنى طبول الحرب لاحقا، مازلت اسمع عنها. يقول، كان في الموقع رجال في دائرة كبيرة تعج بالأصوات. هي عرضة الحرب والنفير والوداع الأخير. عرس الأرض بدأ. الدم هو المهر وختم الأمر. يرددون كلمات الشعر الحماسية. معظمهم من الشباب، حطب المعركة. ينتظرون الهجوم. حولهم آباء متمترسون خلف المتاريس الصخرية الطبيعية، أو المحاجي التي بنوها مسبقا في موقع كل (نشبة) ونزال تاريخي. بعيدا عنهم نساء القبيلة يتعالى حثهن. الأرض كالعرض. يقول الراوي، توقف صوت الزير، عادت الحياة إلى طبيعتها. تراجع الجميع عن الموقع. ترك الامر للحوار والنقاش والصلح. دخلت قبائل أخرى وحضرت الحكومة بجنودها، لاحتواء الأزمة وليس لاشعال الفتيل. عاد النّاس أدراجهم. تم طي أعلام الشال الأسود الذي كان يخفق، تم استبداله بشال أبيض، استمر يخفق. رجعت الحياة الهادئة إلى القرية، كأن شيئا لم يكن. جاء صوت أذان العصر من مسجد القرية، صلى البعض فرادى في مزارعهم. تلكم كانت مشاهد صور قصة عشتها، وعرفت أسرار أحداثها فيما بعد. اليوم أتذكر المكان، يقع على الطريق بين الطائف وأبها، له اسم مشهور، تحول إلى حي عامر، يضم جميع أبناء المملكة. روح أخوية، بعض أبناء القبيلة لا يملكون أرضا أو بيتا، وكان أبوه حاضرا وقتها للدفاع عن الموقع. انجاز يعتلي ظهر التحديات ويقضي على عوراتها. رحم الله الملك عبدالعزيز، وحد القبائل المتناحرة، صهرها في أمّة واحدة. رسم خارطة مجد حمل الجميع إلى معالي الخير والعزة والعلم. اليوم لا جوع، ولا خوف،  ولا تناحر. كان ذلك الحدث المقيت آخر أحداث القبيلة الموروثة. عالجتها الدولة بحكمة ورشد. جعلت من هذه القبائل المتناحرة نسيجا غير متنافر. نسيجا متماسكا يبني للجميع. كان التعليم أساس نجاحه وسيظل صيد المفاليح.