أين حدود الوطن ومتعلقاته؟
كثير منا يسمع العبارات المتفاوتة والمتعلقة بمفهوم الوطن، بشتى أصنافها ودلالاتها، وقليل منا يسترعي انتباهه ذلك التفاوت، وخلفيات كل من تلك الدلالات لأصناف العبارات وقائليها. ففي مرحلة المد القومي، وانتشار ثقافة الوحدة العربية، ومصير هذه التكتلات الجغرافية التي تحتوي العرب بكافة أشكالها؛ كانت الاستخدامات الشائعة لا تتجاوز المفرد الجامع لكل ذلك الشتات، الموزع على بقعة جغرافية واسعة. إذ كان مصطلح "الوطن العربي" هو السائد خلال تلك الحقبة، ولم يكن وارداً أن تتعدد تلك الوحدات، مهما اتسعت المساحة المعنية بها وبساكنيها. وبعد أن ولت تلك الحقبة، وسيطرت الأفكار القُطرية على مخيلة الناس، ومجالات الرأي العام في أغلب تلك البقع الجغرافية؛ بدأت التسميات تتعدد، وأصبح المفرد جمعاً. فكانت "الأوطان العربية" بديلاً عن "الوطن العربي"، وأصبحت العواطف الجياشة؛ سواء في التعبير عن الانتماء، أو في النشيد الوطني، وكذلك في سن القوانين التي تحدد المميزات لشرائح الساكنين في أي بلد من بلدان هذه المنظومة، تأخذ شكل محاباة القريب والمحلي، وعدم النظر إلى تلك الأفكار الطوباوية المتعلقة بأحلام كانت فيما مضى أهدافاً يظن بأنها واقعية.أن أتعاطف مع أحد من المظلومين، أو أقوم بمساعدته، شيء مختلف عن أن أتماهى مع هويته، وأجعله مقدماً على مصالح بلدي لكن تلك الفترة المفردة، لم تتجاوز العقدين من الزمان؛ إذ أعقبتها حقبة المد الإسلامي، الذي عاد مرة أخرى إلى التعبير بالجمع، وهجر عبارات الإفراد كلية؛ بل لم يعد يحبذ أن يكون للوطن القُطري أي وجود في خارطة التفضيلات والمصطلحات المستخدمة. فكانت عبارات مثل "الأمة" (خاصة الأمة الإسلامية)، وبلاد المسلمين، بديلاً من "البلدان العربية" أو "الوطن العربي" أو "الأوطان العربية". بل إن نوعاً من العداء قد نشأ لمصطلح "الوطن"، لأن المؤدلجين بتلك الثقافة لا تستهويهم حدود الأوطان؛ حيث يرون أن الكيان لا يقف عند أمة العرب، وإنما يضاف إليها البلدان الإسلامية، أو البلدان التي يوجد فيها أعداد كبيرة من المسلمين. وبعد أن نشأت حركات الإسلام السياسي، زادت محاولات التعمية، بأنه لا يوجد عند العرب أوطان تحميهم، ولا يفترض أن يحسوا بالولاء لأي كيان إلا للأمة الإسلامية. أين هي الأمة الإسلامية؟ وما طبيعة الانتماء المفترض لهذا الكيان؟ لا أحد منهم يجيب عن ذلك بوضوح. فأممية هذه الحركات والتنظيمات المتفرعة منها، والكتاب أو الدعاة المنضوون تحت لوائها، لا يريدون إلا هدم الأوطان؛ من أجل الاستيلاء على عقول الناس وولائهم المطلق لهم. حاورت أحدهم علناً في نقاش مطول، فكانت تعليقاته تدور على أنه لا تعارض بين الأممية والمواطنة. قلت له: كيف يكون عدم التعارض، إذا كان المرء سيشرك مع حب الوطن الانتماء إلى كيانات وهمية، لا يعرفها إلا كهنة يغيرون كل يوم من حدودها ومرتكزاتها، وتعني لهم تلك المناطق القائمة على الإرهاب من أفغانستان إلى الشيشان، ومن شرق إندونيسيا إلى الجزر الثائرة في الفليبين؟ أن أتعاطف مع أحد من المظلومين، أو أقوم بمساعدته، شيء مختلف عن أن أتماهى مع هويته، وأجعله مقدماً على مصالح بلدي، الذي هو بحدود جغرافية معينة، وبثقافة وطنية لازمة، وبأناس من البشر يفترض أن يشعروا بالتماهي مع ترابه. أما عندما حكيت له عن "الشعب" و"الدولة" وما يقترن بهذين المفهومين من محددات قانونية، فقد علاه الاضطراب، وأراد أن يسوق الحديث بعيداً عن تلك المحددات. عجباً أمر هؤلاء المتلونين؛ يدعون بأنهم من هذا الوطن، ولكنهم يضمرون له الشر، بإدخاله في سرادق المزايدات، ويضعون - فيما أظن - ولاءهم بالدرجة الأولى لتلك الأممية، التي تعني لهم أن تكون خيرات وطنهم نهباً لأولئك الانتهازيين من مرجعياتهم الفكرية.. فهل يوجد بيع للوطن أوضح من هذا السلوك؟