أمس.. وخصوماته الناعمة
مهما بلغت شراسة المعارك الثقافية فهي ناعمة. لا تخلِّف قتلى أو جرحى، ولا تدمر بنىً تحتية، ولا تؤدي إلى موجات من التشرد والنزوح الجماعي. ما هي إلا مناورات ومناوشات لفظية إذا راعت أصولَ التخاطب، والتزمَتْ بأخلاق الاختلاف، أثْرَت الساحةَ الثقافية بالجديد المفيد. اختلف القدماء في الرأي فأثمر بعض ذلك الاختلاف حوارا يخاطب العقل، وينمي الوعي، ويغذي روافد الإبداع.مع ذلك، كانت بعض الخصومات الثقافية جائرة وبعيدة عن الموضوعية. كان هنري جيمس، على سبيل المثال، يرى أن الحماسة للشاعر (إدغار ألان بو) برهان على أن تفكير القارئ لم يزل في مستواه البدائي! ورأى آخر أنه شاعرُ أناسٍ سقام، وفتيان لم ينضجوا بعد. وأما (ت. س. إليوت) فقد هاجم أسلوبه المليء في نظره بالأخطاء. (إدغار آلان بو/ جان روسلو/ ترجمة كميل قيصر داغر). تلك آراء شعراء وكتَّاب من النخبة في كاتب قال عنه بودلير: إنه أقدر كاتب في عصره!عندما تتابع معارك تويتر الضارية لا تملك سوى أن تقف على أطلال الماضي الثقافي باكيالا يقتصر ذلك التحيز على ثقافة دون أخرى. وفي تراثنا الثقافي العربي أمثلة كثيرة على تلك الخصومات. لِكلٍّ من رماة الحجارة دوافعه. وغالبا ما تنشب بعض المعارك نتيجة اختلاف في الذائقة الأدبية، وبعضها نتيجة موقف أيدلوجي، وأخرى لأسباب شخصية، وإن ارتدت جلباب الثقافة. وتنشأ بعض الخصومات بسبب الغيرة والحسد. وفي مذكراته المعنونة (أعترف أني قد عشت) يلاحظ بابلو نيرودا كيف أحدق الحاسدون بـ (مايكوفسكي) إلى أن أطلق على نفسه النار. ثم يعرج على طفيليات أمريكا اللاتينية فيقول: «إن الأحقاد الصغيرة تستشري وتستشيط في أمريكا اللاتينية. يصل الحسد أحيانا إلى أن يكون حرفة!»ويعلل أحد الكتاب الغربيين تلك الضغائن الصغيرة بقوله: «من الصعب بل من المؤلم أن يكون جارك أو زميلك عبقريا»! ووفقا لهذا التفسير فإن كل ما يأتي به الزملاء من أصحاب الصنعة الواحدة تافه وعديم الفائدة.يمكن للأحكام الجائرة القائمة على إقحام معايير قيمية أو أخلاقية أو أيدلوجية أن تحاصر فكرة، قصيدة، أو لوحة، ولكن إلى حين. ويبقى للذاكرة الأدبية القول الفصل في الحكم على قيمة أية تجربة إبداعية. وهي الشاهد الرائد الذي لا يكذب أهله.وكغيرها من الساحات الثقافية، شهدت الثقافة المحلية، ومنذ بداية الثمانينيات، شكلا من المشاغبات الثقافية لا تختلف أسبابها عن تلك التي أشرت إليها في بداية هذا المقال. ولدي أرشيف خاص ببعض تلك الخصومات الناعمة يغري بتأليف كتاب قد يساعد على قراءة ملامح تلك الفترة الزمنية والتعرف على رموزها. أو يصبح مصدر تسلية لمن ينتظر جنازة فيشبع فيها لطما.اليوم، وعندما تتابع معارك تويتر الضارية لا تملك سوى أن تقف على أطلال الماضي الثقافي باكيا. فقد كانت خصومات العقود الماضية أدبية وفكرية. وأيا كانت التجاوزات أو الاخفاقات التي منيت بها، إلا أنها لا تقارن بما يحدث الآن. في أيامنا هذه لا يضيف الاختلاف إلى صرح الإبداع لبنة واحدة، ولا ينتج عنه سوى الفراغ. في هذه الأيام يدير دفة الاختلاف فرسان تويتر الأشاوس من الحواة والدهماء، حيث اختفت لغةُ الفكر والأدب لتحل محلها لغةٌ ترشح كراهية، وتهدد السِّلْم الاجتماعي. معارك تتخذ مسارا مغايرا لا علاقة له بالأدب أو الفكر أو الثقافة بشكل عام. ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه، كما يقال.