د. إحسان بوحليقة

كورونا - 1 وكورونا - 2

مؤلم أن نتعرض لدروس مكررة، وثمة دروس لا سبيل لتفاديها كلياً أو جزئياً، لكن بصورة عامة، إن تسرب مطرٌ عبر سقف بيت أي منا، فمتوقع أن يسعى ليصلحه حتى لا يتكرر التسرب عبر السطح، وكما نعلم جميعاً، حلّت بنا كورونا العام الماضي ضيفاً ثقيلاً، وها هي عادت. في زيارتي الأخيرة للولايات المتحدة لم يسألني أحد عن النفط أو حتى عن الجِمال، فما أن أقابل شخصاً - أعرفه أو لا أعرفه - ويعرف أني من المملكة حتى يبادرني بالسؤال: "كيف كورونا"؟قبل نحو 45 سنة دكت "الكوليرا" الأحساء، وانتشر الوباء حتى اضطرت السلطات لفرض حجر، فكان الخروج منها بتصريح يبين سلامة المغادر، وكانت الجهود تبذل للتعامل مع من يصابون ويكابدون من الأعراض المنهكة، وقد قضى العشرات بسبب وباء الكوليرا. قبل نحو 45 سنة دكت "الكوليرا" الأحساء لدرجة أن حجراً فرض عليها؛ فكان الخروج منها بتصريح يثبت سلامة المغادر، وكانت الجهود تبذل للتعامل مع من يصاب ويكابد من الأعراض المنهكة آنئذ، كانت الإمكانات محدودة مقارنة بما عليه الحال الآن؛ وقد استنفرت كل الإمكانات؛ فمما لا ينسى أن قصراً ملكياً يقع في أطراف المدينة وضع تحت تصرف السلطات الصحية واستخدم بالفعل كمحجر، بعد أن ضاقت المستشفى الصغيرة بالأعداد المتزايدة من المبتلين بالكوليرا. وبين ذاك التاريخ والآن تعرضنا للعديد من الأوبئة، وبالقطع لا اعتراض على إرادة الله - جلت قدرته وتعالى تدبيره - بل السؤال: ما الذي اتخذناه من إجراءات نابعة من المعرفة المتراكمة والتجارب المترادفة والموارد المالية والبشرية المتعاظمة؟ تتفاوت الإجابات، لكن هل أعدت تقارير من قبل الجهات المعنية تصف تلك التجارب وصفاً علمياً ميدانياً، فتقيس أثرها وتبين كيف كان التعامل معه، وتوثق الجهود التي بذلت، وتستخلص الدروس التي نتجت، والتوصيات التي رفعت للوقاية بصورة أفضل في حال أن عاد أحد تلك الأوبئة مجدداً؟ هل في أرشيفنا الوطني أو في أرشيف وزارة الصحة أو أي وزارة أخرى وصف لما حملته تلك الأوبئة من معاناة وما حصدته من أنفس وما استهلكته من أموال؟ وإن كانت قد أوصت تلك التقارير - التي كتبت بمداد الألم والمعاناة - باتخاذ تدابير معينة مستقبلاً، فهل اتخذناها أم طوينا الموضوع بمجرد انحسار الوباء؟وبعيداً عن التاريخ، فإن كانت التقارير كتبت وهي محل متابعة وتنفيذ، فعلى وجه التحديد، ما الدروس المستفادة من تجربتنا الأولى مع كورونا؟ وما التوصيات التي بادرنا لتنفيذها؟ وهل وضعنا العام الماضي خطةً للحد من تأثير كورونا فيما لو عادت ثانية؟ وها هي - للأسف - قد عادت هذا العام. هذه ليست أسئلة اعتباطية، ولا أنكر فقد يكون بعضها قد بُني على جهل الكاتب، وعلى أي حال هي فرصة لتنوير المجتمع بما اتخذته الجهات المعنية خلال عام انقضى من إجراءات احترازية. وأود أن أطمئن البعض منا، الذي ما أن تحدثه عن تجارب الماضي حتى يحدثك عن ألا فائدة من البكاء على "اللبن المسكوب" ويأتيك بحكم معلبة من وزن "الحكي في الماضي قلة عقل" بأن الأمر يتجاوز الحديث عن "اللبن المسكوب" إلى السؤال: ما دور كليات الطب لدينا؟ وما دور أقسام الأحياء؟ وما دور علماء الأمراض على تنوعها؟ وعلماء الأوبئة على تعددها؟ أي ما دور المنظومة الصحية الكاملة في البلاد؟ ولم لا يكون لدينا هيئة أو لجنة للأمن من الأمراض المتفشية تضم كل الجهات ذات الصلة، تكون من ضمن مهامها الرفع من جاهزية البلاد الوقائية وللتصدي للهجمات البيولوجية استباقياً، تماماً كما نستعد لسواها من الأخطار؟بالأمس حدثتكم عن أمن البيانات والمعلومات، واليوم نتحدث عن صحة الانسان وبيان قدرة علمائنا على التعامل بحثياً مع ما يستجد من أمراض مستعصية، وقدرة منظومة الرعاية الصحية على التعلم من التجارب، للتحسين المستمر لأدائها ولقدراتها على التصدي. ومع كل ذلك، مازال في نفسي تساؤل: ما الفارق الذي أحدثناه بين غزوتي كورونا الأولى والثانية؟ هل كنا أكثر استعداداً عندما باغتتنا ثانية؟ هل كانت إمكانات العزل التنفسي لدينا أفضل وسعتها السريرية أكبر؟ وهل كانت قدرتنا التشخيصية والبحثية أعمق؟ مجرد أسئلة. وأقول: إن لم تعدّ وزارة الصحة تقريراً تحليلياً عميقاً عن كورونا-1، ولم تعدّ توصيات إثر ذلك، فمفيد أن نوثق تجربتنا المعاشة (كورونا-2) توثيقاً علمياً من خلال مختصين مؤهلين في الوبائيات، وتحليل الوقائع وتحديثها طبقاً للمستجدات، وأن نؤهل قدرات بشرية بحثية بما يجعلنا مركز إشعاع وتميز للزود عن البلاد والعباد، بل ولمساعدة البلدان الأخرى لو تطلب الأمر ذلك، ولن يعزّ علينا ذلك إن وضعنا خطة ونفذناها.