د. إحسان بوحليقة

كورونا للمرة الثانية

قبل فترة قصيرة، أتيحت لي الفرصة لزيارة مركز أبحاث متقدم؛ للتعامل مع الأمراض الوبائية المتفشية، مثل كورونا، فأخذني كبير العلماء هناك في جولة، وبين لي أن العزل هو أهم ما في الموضوع؛ لحماية العاملين عند تعاملهم مع الفايروسات الفتاكة، وأن هذا العزل على أربعة مستويات، وأن المستوى الرابع للأمان البيولوجي هو المطلوب كبنية تحتية؛ ليتمكن العلماء من التعامل مع عينات من هذا الفايروس الفتاك. ولن أطيل عليكم، فقد أخذني بالتدريج من مرافق المستوى الأول حتى وصلنا للرابع، وطبعاً من بعيد لبعيد فهو لم يتح لي الفرصة أن أدخل المعامل وأنا لم أطلبها. وعندما وصلنا للدور المخصص للمستوى الرابع، لم ندخل للمعامل، بل أخذ يشرح مطولاً الكيفية والتحضيرات المطلوبة حتى يدخل شخص ما للداخل، وأن ذلك يستغرق من الوقت نحو 25 دقيقة للدخول ومثلها للخروج، وضمن تفاصيل كثيرة أطلعني على البزة التي على من يدخل أن يرتديها، وهي أشبه بالبدلات التي يرتديها رواد الفضاء، شكلاً. أما من حيث الموضوع، فالبدلة معزولة تماماً عن محيطها، فمثلاً مصدر الأكسجين لتنفس مرتديها ليس من الهواء المحيط بالطبع، لكن تشبك بمصدر للأكسجين.هل لدينا القدرة للتعامل بحثياً مع فيروس كورونا، من حيث توفر العلماء، ووجود مراكز الأبحاث المزودة بأنظمة ومتطلبات المستوى الرابع للأمان البيولوجي؟ وقبل ذلك هل مستشفياتها الخاصة والحكومية مزودة بغرف عزل ملائمة نوعياً وكافية عددياً؟   ثم صعدنا للدور الأعلى، فوجدت أرضيته مقسمة بخطوط تماثل الغرف التي أسفله، والسبب ان لكل من تلك المساحات متطلبات خاصة بالسلامة البيولوجية، وبالتالي بكيفية التعامل مع الهواء الملوث والبقايا الخطرة تبعاً لمستوى الأمان البيولوجي التي أتت منها. اتضح لي أن تأمين الدور المؤهل لتوفير مستوى الأمان البيولوجي الرابع هو هاجس، فقد ذكرتني رؤية الجدار السميك بيوتنا القديمة، وكيف أن الدور بأكمله عبارة عن صبية اسمنت مسلح واحدة، بمعنى أن المبنى عبارة عن قطعة واحدة. أما ضمن المبنى، فتأمين الدور الذي يتعامل مع الفايروسات الخطرة مثل كورونا، له مواصفات إضافية مثل سماكة الجدار التي تزيد عن الذراع، دون أي مبالغة، وذلك تجنباً لأي فراغات وبالتالي القضاء على احتمال التشققات، كما أن المبنى صمم ونفذ ليقاوم الهزات الأرضية والزلازل، حتى القوي منها. ولا أظنني بحاجة لبيان الإجراءات المعقدة لدخول المبنى، والبوابات المتتابعة، والتدقيق عند كل بوابة، وكذلك تقييد حركة العلماء والموظفين ضمن حدود الصلاحيات؛ لتكون في حيز معين لا يتجاوزوه؛ سواء اجراء من الأدوار، أو عند استخدام المصاعد. ولم ينس مضيفي أن يشير عند الخروج من المبنى إلى الاستعدادات لحماية المبنى من الخارج، ابتدأ من السور الخارجي وتقويته بحبال فولازية مفرطة السماكة.ما الذي أخذني إلى مثل هذه الأماكن؟ للإجابة صلة بما سبق أن أثرته عن الكوري الذي قال: في كوريا نتعلم من أول مرة! والشاهد أن "كورونا" كانت قد غزتنا في العام الماضي، وقد سمعنا عنها قصصاً مؤلمة في الأحساء وسواها من الحواضر، لكني حتى هذه اللحظة لست متأكداً إن كانت المستشفيات هناك، بما فيها المستشفى الذي شهد العام الماضي أول حالات كورونا في الأحساء، مجهزة بغرف للعزل لمرضى كورونا أم لا؟ أقول عانينا من كورونا قبل سنة، فما الدروس التي خرجنا بها والاستعدادات التي نفذناها بناء على تجربتنا الأولى تلك؟ هل زودنا –بناء على تلك التجربة المريرة- مستشفيات وزارة الصحة والمستشفيات الحكومية الأخرى بغرف للعزل ملائمة للعزل بما يحول –بإذن الله- دون انتشار الفايروس بين العاملين والمرتادين وبقية المرضى؟ هل فرضنا على المستشفيات الخاصة توفير غرف عزل ملائمة بمسارات هواء منفصلة، وبتفاوت لمستويات ضغط الهواء؟ هل جهزنا في أنحاء وطننا الغالي مراكز ملائمة للعزل في حال تكاثر حالات كورونا، لا قدر الله؟لا أعرف الإجابة على هذه الأسئلة، لكني أردف قائلاً، ومن ناحية ثانية، وبما أن كورونا كان قد أصابنا العام الماضي، وكانت قبله قد حلت ببلادنا أوبئة، فما الذي يمنع أن نهيئ مركزاً للأبحاث البيولوجية متخصصا في الأمراض المتفشية، مهيأ بمستويات الأمان البيولوجي الأربعة، التي سبقت الإشارة لها، حتى يكون لدينا قدرات بحثية ذاتية؟ وبالقطع فإن فقدان أي شخص أمر لن يسر أحداً، والسعي لتفادي ذلك هو محل اهتمام الجميع وخصوصاً الجهات المعنية، لكن يبقى أننا سبق أن مررنا بالتجربة من قبل، وأن العبر الثمينة والدروس الغالية لا يجب أن تترك دون متابعة وتحليل، ومن ثمة الأخذ بالاحتياطات الواجبة انطلاقاً من الخبرة المكتسبة ومن المعاناة الشخصية أو المشاهدة؛ رغبة في التحوط من المخاطر باتخاذ الأسباب بلا هوادة أو تسويف.