النكتة.. تقويمها ووظائفها
تناقشنا في إحدى مجموعات الواتس أب عن النكتة ودورها، بعد أن أبدى أحد الأعضاء تحفظاً على نكتة طرحت بشأن بعض الظواهر السلبية في المجتمع؛ فكان ذلك الرأي يود استبعاد مصطلح التعميم الذي تبدأ به النكتة، لكي لا يؤدي إلى خلق نموذج سيئ يؤثر في مخيلة الشباب عن وطنهم أو انتمائهم. وهذا يذكّر بما كان قد سعى إليه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر من طلبه ألا يتمادى الشعب في إطلاق النكت الساخرة من الجيش المصري بعد هزيمة 1967م، لأنها –حسب خطاب الرئيس– تؤثر في نفوس الجنود ومعنوياتهم.الطريف فيما يتعلق بمستقبل الفكاهة في البيئة العربية، ما سبق أن سمعته مرة من أن العربي الآن أصبح يشعر أن أوضاعه الطبيعية وظروفه التي يعيش فيها أقرب إلى النكتةتشعبت الآراء، واختلف إطار النقاش بين من كان يركز على مضمون النكتة، ليصل إلى أن مثل تلك المضامين محبطة لهمم الشباب، ورؤيتهم للحياة في مجتمعهم، وتوقعاتهم من العناصر المحيطة بهم (من الأفراد أو الظروف)، وهو بالطبع امتداد لذلك الرأي المتحفظ. واتجاه آخر في النقاش سار في طريق التركيز على مغزى النكتة، وكان من المنافحين عن هذا الاتجاه من يرى في مثل هذه النكت الهادفة وسيلة لتقويم تلك الظواهر السلبية بإبرازها في بوتقة مكبرة، ومضحكة في الوقت نفسه، ليتدبر الناس سوءها وتأثيرها في الناس، كما أن فريقاً آخر من هذه الاتجاه ركز على الجانب التنفيسي للنكت المتمحورة حول حياة الناس الاجتماعية، وإبراز العناصر المؤذية لسلاسة تلك الحياة، وبعضهم قارن ذلك الدور بما تفعله كلمات الشتائم من تنفيس، يخفف الاحتقان الذي قد يؤدي إلى الانفجار، لو لم يخرج المرء ذلك الضغط الشديد بسبب الغضب من تصرفات خرقاء، أو مضايقات مفاجئة قد يؤدي كبتها إلى تراكم العلل بداخل الإنسان، وإصابته بأمراض ليس أقلها ارتفاع ضغط الدم أو الإصابة بالسكري، وربما تصل بالمرء إلى الجلطات أو الوفاة المفاجئة. فمتى تصبح الشعوب منفتحة على النكتة، أو ساعية إلى استخدامها في تخفيف الضغوط الاجتماعية والنفسية عن كاهلها، بل وربما حتى الدخول من خلالها إلى عالم السرور والانشراح باستخدام الضحك بوصفه علاجاً فردياً وجمعياً؟، وما علاقة النكتة بالنقد الاجتماعي وبفنون النقد الأخرى كالمسرحيات أو فن الكاريكاتير الساخر؟، في الواقع أن النكتة خلاصة تجارب اجتماعية متراكمة، ومواقف متكررة لأنماط من البشر مع حالة من حالات التعامل الفردي أو المؤسسي، مما يجعل تلك اللقطة تتحول إلى مفارقة للمنطق الواقعي الذي يمارسه المجتمع في الحياة المعتادة؛ لذا يكون في قمة فنون النقد لآليات التعامل في تلك المواقف، ويتميز بتكثيف شديد لفكرة النقد، حيث تكون لاذعة وثابتة بطريقة التفاعل الكوميدي معها، وبذلك تكون فناً له أدوات سلطة مؤثرة في النظر إلى السلوك، الذي يحيط بالموقف وأبعاده. لكن ما مصيرها بعد تغير وسائل نقلها؟، أي بعد تحولها من أداة مباشرة (وجهاً لوجه، وفي إطار الأصحاب أو الشلة الواحدة) إلى أن أصبحت رقمية تنتقل من المعارف إلى غيرهم في سرعة كبيرة؟، في الواقع أن ذلك الوضع قد غيّر كثيراً من تأثيرها ومن التفكير في مآلات الموقف الذي تعبر عنه، بل إنها أصبحت مثل الفنون النقدية الأخرى، بعد أن فقدت ذلك البريق والشطارة في طريقة الحكاية والتعبير بها. الطريف فيما يتعلق بمستقبل الفكاهة في البيئة العربية، ما سبق أن سمعته مرة من أن العربي الآن أصبح يشعر أن أوضاعه الطبيعية وظروفه التي يعيش فيها أقرب إلى النكتة من أن يصنع فناً فكاهياً يضحكه، أو يجعله مثاراً للسخرية وموضع تندر مقارنة بما تعيشه مجتمعات أخرى على الأرض، وأحياناً بما عاشته الأجيال السابقة على نفس البقعة، وبالموروث الثقافي نفسه.