عبدالعزيز اليوسف

ثرثرة.. وخراب..

في الناس هناك دوما من يحب ان يثرثر، ويتعب فمه، ويلهث لسانه، ويرهق عقله، ويفتش في كل جهة، ويبحث عن طرف قصة، ليحكي عن أخبار ملوثة، وأمور مشتتة، وظنون خائبة، وتحليلات بائسة، وخيالات مشوهة.. فهو أو هي يكتب أو تكتب مشاهد الإثارة والنشوة على مساحات التأليف والتطويل والإفساد.. بل تسلك أو يسلك كل الأدوار ليحقق ما في نفسه..فلا يبالي هو أو تبالي هي بقيمة الدين وتوجيهه تجنب النميمة، ونبذ الغيبة، وترك سوء الظن، والابتعاد عن إفساد البيوت والأشخاص.. والحرص على طلب الخير والوئام والستر للآخرين.. بل يتجاوز الأمر إلى الزيادة في القصص، وتمطيط التفاصيل، وتطويل الموجز..هناك من يعشق إرخاء الأذن لهؤلاء المثرثرين، ويهوى إنزال عقله لسماع المبتذلين-في كل اتجاه يثرثر.. تثرثر بلا حساب، يستمتع بالهرج، ولفت الانتباه، وتحريك المشاعر، وإلهاب العواطف، وتغيير الأمزجة، وتهييج النفوس.. بل إن الأمر يتعدى عند بعضهم إلى صناعة موقف من خلال حديث ملغم بعبارات تقديم المنفعة للآخر.. وبعضهم يتقمص دور الناصح الأمين، والمحب المخلص فيسكب الخل على العسل.. بقصد أو بدونه.. فيهدم بظن البناء، وتتوسع المتاهات.وفي الجانب الآخر هناك من يعشق إرخاء الأذن لهؤلاء المثرثرين، ويهوى إنزال عقله لسماع المبتذلين، ويسلّم عمره لتهريج الجهلاء.. هنا يسارع بإسقاط ذاته، ويرخص من قيمته حين يستمع لتلك الترهات، ويمنح وقتا للإصغاء إلى أقاويل الإفساد، وأحجيات المرضى، وأحاديث المغرضين.. هنا سوف تضيق أموره، وينغلق أفقه، ويبيع هيبته، ويشتري معاول الهدم لحياته..إرخاء الأذن يفسد كل أنواع العلاقات الصداقات.. في العمل.. الشركاء.. والأهم العلاقة الزوجية المحدودة بضوابط الدين، وقيم المجتمع، ومبادئ متفق عليها.. تلك العلاقة المليئة بالحساسية، والمتشبعة بالمسئولية.. لذلك كان أمر الثرثرة، وبث أخبار وقصص وأقاويل مصنوعة ومثيرة تسيء للقائل أولا ثم تنعكس بعض آثارها على كل الأطراف بل عن الأمر قد يتوسع وتصيب المشكلة هذا الثرثار او تلك الثرثارة..إن جلب الأنباء الفاسدة والمتأرجحة في بقع الظنون، وحفر التأليف، وعشق الإثارة هي من الفسق. لذلك كان وصف جالب النبأ وصانعه بفاسق.. وإن بحث البعض عن صنع الأكشن بأكاذيب، وتلفيقات، وزيادات في حياة إنسان أو إنسانة بالتقول على احدهما أو كليهما.. يعني ذلك ان هناك مريضا يسوقه مرضه لفعل السوء فيخرب البيوت..حرص بعضهم أو بعضهن على إثارة الشكوك والهموم في قلوب الآخرين سواء الأزواج أو الأخوة أو الأقارب أو الزملاء، يدل على أن هناك شخصا ناقصا أو حاسدا يريد أن يرضي نفسه باتباع خطوات الشيطان ليصل إلى رغبة انتقام، أو شهوة إفساد، أو نية تفريق ليس إلا لهوى. كما أن محاولة البعض لاستثارة الكوامن، وتحريك الرواكد في العلاقات الطيبة والهادئة يجعلنا نقرأ محيطنا بطريقة مختلفة، وبعيون الشك، وبقلوب فارغة من المودة والاحترام والتوقير..بل إن المجالس سوف تضيق بهم حين يتم كشفهم وسوف تجف أفواههم التي أرهقت كل أذن.ختام القول: الثرثرة وإثارة المشكلات والبلبلة لا يدل على وجود دين ولا إيمان في قلب من يستمتع بها.. كما أن إرخاء الأذن يوصل إلى درجة الوسوسة، وملء القلوب بالهموم بدون وجه حق.. فما بين القول والاستماع إلا شرارة قد تنهي علاقة طيبة وتفجر طاقات الفتن بين كل الأطراف، كما أن حدوث مشكلات وشقاق أكبر مما يتصوره أي طرف هو أمر حتمي فالباطل لا يصنع إلا باطلاً وسوءاً.. ومن يرخ أذنه فلينتظر الخسارة..