د. إحسان بوحليقة

شكاوى مواطن

كنت أستمع صباحاً للإذاعة السعودية، وتحديداً لبرنامج مباشر يتصل عبره المواطنون لبث شكاواهم، كانت إحداها عن سفلتة مخطط، والثانية لإيصال التيار لحي يبدو أنه كبير به 2600 مسكن، وثالثة للتدني الفادح لمستوى النظافة في غرف تنويم المرضى في أحد المستشفيات الحكومية. السؤال: هل لزاماً على المسئولين عن القطاعات التجاوب مع البرنامج؟ أم أنه مجرد فضفضة؟ أذكر قبل سنوات طويلة كان التلفزيون السعودي يبث برنامجاً يقدمه المرحوم بإذن الله سليمان العيسى، لكن ذلك البرنامج كان مميزاً في أنه يأتي بالمسئول وبالمواطنين ممن لديهم معاملة أو شكوى في الإدارة التي يرأسها الضيف، فكانت العديد من القضايا تحل على الهواء مباشرة، ولذلك اكتسب البرنامج شعبيته آنئذ. أما أن نترك شكاوى المواطن دون رد فهذا أمر لا ينسجم مع شعار الجميع في خدمة المواطن، والذي يؤكد عليه المسئولون على الدوامبعد مرور سنوات طويلة على برنامج سليمان العيسى، وانتشار تقنيات التواصل فهل الأنجع أن نعرض شكاوى المواطنين عبر برنامج إذاعي؟ لعل من المفيد إيجاد قناة أخرى بأن تعتمد الجهات الحكومية على برمجيات علاقات العملاء، وهذه معمول بها على نطاق واسع في القطاع الخاص، لاسيما البنوك والشركات الرائدة، وهي عبارة عن قاعدة بيانات للعملاء وللعلاقة مع كل منهم، ويدير العلاقة مع كل مجموعة منهم موظف، يتابع طلباتهم ويحرص على تلبيتها ورفع مستوى الرضا لديهم، ودائماً سيكون للمسئول الأعلى الاطلاع على أوضاع العملاء وكذلك أوضاع المعاملات المعلقة، بل ان المعاملات المعلقة تصعد للمستوى الأعلى مباشرة إن لم يبت فيها خلال فترة زمنية محددة، ولا مجال لذكر تفاصيل أكثر عن هذه الأنظمة، فالنقطة هنا أننا لا نترك شكاوى المواطنين تصبح صرخات في برنامج قد تنسى، وتكون مجرد فضفضة على الهواء أو في الهواء.المتصل الذي شكا من تدني النظافة في غرف تنويم المرضى في أحد المستشفيات، ذكر أنه ذهب إلى مدير المستشفى ونقل إليه الشكوى! المواطن كان يطالب تحديداً: أن يقوم مسئول الشئون الصحية في المنطقة الشرقية بالوقوف على أوضاع المستشفى بنفسه. كانت تلك مطالبته، فكيف السبيل لتحقيقها؟ولعل الجهاز الحكومي بحاجة إلى تراتبية لقيد شكاوى المواطنين، بمعنى أن يقيد المواطن شكواه في المنطقة الإدارية، فإن لم تحل خلال فترة زمنية محددة، فبوسعه أن يصعدها للمستوى التالي، وهكذا. ولا بد أن تأخذ الشكوى رقما وتاريخا ويوضع تاريخ محدد تجيب خلاله الجهة الحكومية المحددة على الشكاوى، وقد لا تتمكن من حلها خلال أيام، ولكن عليها أن ترد وأن تضع دفوعها خلال أيام. أما أن نترك شكاوى المواطن دون رد فهذا أمر لا ينسجم مع شعار الجميع في خدمة المواطن، والذي يؤكد عليه المسئولون على الدوام. إذاً، ووسط تقصير بعض الأجهزة وتعسف بعضها في عدم الاستجابة أو عدم تقديم الخدمة على الوجه المطلوب، فلابد من إطلاق برنامج لخدمات المستفيدين. وليس شرطاً أن يأتي المواطن شخصياً لتسجيل شكاواه بل من خلال مركز اتصال، تؤخذ البيانات كاملة، وبوسعه المتابعة معهم. وبالتأكيد فالعبرة ليست ببناء أنظمة وقيد الشكاوى بل بالقدرة على حلها بما يحقق رضا المواطن عن الخدمة المقدمة.ولا بد في هذا السياق التمييز بين الشكاوى الخاصة والعامة، فمثلاً عدم إيصال التيار لنحو 2600 مسكن هذه لا يمكن أن تكون شكاوى خاصة، فقد ذكر المواطن أن هيئة حقوق الانسان تتابع الموضوع! كما أن الشكاوى من تدني مستوى النظافة في غرف تنويم المرضى في مستشفى حكومي لا يمكن اعتبارها شكوى شخصية. في حالة الشكوى العامة فلا بد أن تأخذ مسارا آخر معجلا، لتصل لرئيس الجهاز المعني في المنطقة، وبعدها للجهات الإدارية والمعنية. إذ لا بد من النظر للشكاوى باعتبار أنها تغذية راجعة لمستوى الخدمة التي تقدمها الأجهزة الحكومية على تنوعها، وأن هذه التغذية الراجعة هي المصدر الأساس للتعرف على مكامن الخلل لإصلاحها، فهدف الجميع هو الارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة وتحسينها بصورة مستمرة.يبقى القول إن إطلاق برامج إعلامية أمر لا غبار عليه، لكن لا يمكن أن يعول عليها لحل الشكاوى، وأن رصد وتتبع شكاوى المواطنين، ولاسيما فيما يتعلق بالقصور في الخدمات أمر يستحق أن يطلق من أجله نطاق وأن يخصص مركز اتصال لتلقي تلك الشكاوى، وفريق للعمل على حل تلك الشكاوى ثم العودة للمواطن بالحل، ففي ذلك تحقيق لرضا المواطن، والحفاظ على المال العام الذي ينفق للصرف على الأجهزة الحكومية، والسعي لرفع الاستفادة منها وتحسين أدائها، وليس كما قد يعتقد بعض المسئولين أن هناك من يعاديه ويستهدفه شخصياً.