الفوضى المنظمة والفوضى الخلاقة
هناك حكاية طريفة تروى عن شركة دواجن، أرادت أن تختبر آراء عملائها فيما تصنعه من تنظيمات؛ فعمدت إلى استئجار مبنى متعدد الطوابق، ووضعت في كل دور من تلك الأدوار نوعاً معيناً من الدجاج. وعندما يأتي الزبون إلى الاستعلامات عند مدخل المبنى، ويسأل الموظف: عندكم دجاج؟ يرد عليه موظف الاستعلامات: حي أم ميت؟ فإذا قال أريد دجاجاً حياً، قال له: اذهب إلى الدور الأول، فيجد في ذلك الدور موظف استقبال، فيسأله عن الدجاج الحي، فيقول: أي لون تريد؟ فإذا قال له: أبيض، قال: اذهب إلى الدور الثاني، وإذا قال له: أسود، قال: اذهب إلى الدور الثالث، وإذا قال له: أحمر، قال: اذهب إلى الدور الرابع.بأسرع الطرق وأفضلها، مع وجود صلاحيات وقرارات سريعة للتعامل معها. فهل نرى قريباً ورشاً تحت سقف تنفيذي عالٍ؛ لحل المعضلات الرئيسة في المؤسسات الخدمية الكبرى؟ وإذا سأل الزبون عن الدجاج الميت لدى موظف الاستعلامات، يقول له: اذهب إلى الدور الخامس؛ فيجد الزبون موظف استقبال، فيسأله عن الدجاج المذبوح، فيقول: هل تريده بالريش أم بدون الريش؟ فإن قال له: بالريش، قال: اذهب إلى الدور السادس، وإن قال له: بدون الريش، فيقول: اذهب إلى الدور السابع. وفي ذلك الدور يجد موظف استقبال آخر؛ فعندما يسأله عن الدجاج المذبوح بدون ريش، فيرد عليه: هل تريده كاملاً أم مقطعاً؟ فإن اختار الأول، قال له: اذهب إلى الدور الثامن، وإن اختار الثاني، قال له: اذهب إلى الدور التاسع. وهناك في آخر الأدوار يجد الزبائن موظفاً يقول لهم بابتسامة متكلفة: نحن في الواقع لا يوجد عندنا دجاج للبيع؛ لكن ما رأيكم في السيستم؟ هذه هي الفوضى المنظمة، وهي في خصائصها بيروقراطية المنهج، موغلة في التنظير، بعيدة عن المراجعة والنظر في احتمالات بعدها عن الواقع. وهي للأسف متغلغلة في الأجهزة العامة لعدد كبير من البلدان النامية، وربما تكون هي أحد الأسباب الرئيسة لعجزها عن اللحاق بالبلدان المتقدمة؛ لأنها تظن من خلال تلك التنظيمات الوهمية أن الأمور على خير ما يرام. ولا يعدم المسوقون لنماذجها إمكانات إيهام أصحاب القرار بأنها كذلك. أما الفوضى الخلاقة، وهي غير النموذج السياسي الذي ابتكرته إدارة المحافظين الجدد لضبط الانفلاتات الأمنية والاجتماعية والسياسية، التي خلقتها بعض الأنظمة في الشرق العربي. تلك الفوضى بوصفها نموذجا تنظيمياً تقوم على خلط الأوراق جميعها، للنظر إليها في بوتقة واحدة؛ ثم الخروج بوصفة من تلك الفوضى إلى خلق طريق واضح، يرضى الناس باتباعه بعد شعورهم بالضياع في تلك الفوضى السابقة. وأظن بعض مؤسساتنا العامة، التي توالت عليها الأعباء التراكمية من تجارب مختلفة ذات مصادر متعددة، وتطبيقات متباينة، بحاجة إلى مثل هذا النوع من النماذج، وعلى وجه الخصوص ذات الاتصال المباشر بحياة الناس ومستقبل الأجيال. فلا أظن مسؤولاً يأتي على رأس أي من تلك المؤسسات، ويأتي بطاقمه معه من الجهة التي كان يعمل بها، بقادر على حل التراكمات من المشكلات، التي قد لا يعرفها المسؤول وطاقمه إلا بعد انتهاء فترة إدارته لها، أو نشأة قضايا أخرى من مستجدات العمل في المؤسسة، أو من تغير الظروف الخارجة عن نطاقها. لكن الإتيان بكل المشكلات الممكنة في إطار عمل المؤسسة، أو المؤسسات التي تتقاطع معها في العمل على طاولة واحدة، وبحثها بجدية وعمق ومتسع من الوقت، تحت إدارة أناس من ذوي الصبر والأناة؛ أظنه كفيلاً بتحديد الطرق أو الخيارات الممكنة للخروج من ضغط المشكلات الكبيرة على أقل تقدير، بأسرع الطرق وأفضلها، مع وجود صلاحيات وقرارات سريعة للتعامل معها. فهل نرى قريباً ورشاً تحت سقف تنفيذي عالٍ؛ لحل المعضلات الرئيسة في المؤسسات الخدمية الكبرى؟