عبدالعزيز اليوسف

استريحوا !!

 هذه الحياة الدنيا الواسعة تمتلئ بأصناف من البشر، وأنواع من المخلوقات الأخرى التي خلقها الله لحكمة بالغة ذكرها الله في محكم تنزيله، أدركها من أدرك، وعرفها من عرف، وعلمها من علم، وجهلها من جهل، وكفر بها من كفر.. كثير من البشر لديه القدرة على معرفة قيمة الحياة الحقيقية، وكثير منهم لديه القدرة على الانسياق بسهولة في مجراها بلا وعي لقيمتها، ونواجه دوما في حياتنا وشئونها العامة أناسا مختلفين لا نعرف وجوها حقيقية لهم، ولا منطقاً معروفا، فنكون أمام طباعنا وطباعهم فننسى ونتفاعل معهم.لا بد أن نضع قيمة حقيقية لأنفسنا فنختار لها أي الوصفين أو التصنيفين، ولا بد أن نستشرف ونتخيل ماذا سيقول عنّا البشر ممن حولنا، وممن تعاملنا معهم أو تعاملوا معنا؟الدنيا فيها الأشرار، وفيها الأبرار، فيها المؤمنون، وفيها الكفار، فيها الجاحدون، وفيها الشاكرون، فيها من كل صنف ولون وطبع وسلوك، فيها من استطاع أن يعطي قيمة حقيقية وواقعية لنفسه بإيمانه بالله، ثم معرفة أن الدنيا محطة مرور، ومتاع الغرور، ودار معاش، وفيها من فقد عقله فلم يعرف إلا أن الدنيا دار مقام، وترف، وتكاثر، وبقاء فجهل حقيقته، وجحد قيمة نفسه، وأنكر حكمة خلقه.إن واقع البشر يخبرنا بأن الكثير منهم لا يعرفون حقيقة الحياة الفعلية، وإن عرفوها من النصوص فهم لا يستشعرون قيمتها الحقيقية، منهم من تشرب الحياة في قلبه، وتلهى عن الآخرة، فظن أن لا ممات ولا حساب، ومنهم من تراوحت مشاعره بين الذكرى والغفلة، ومنهم من يقترب ويدنو أحيانا ويبتعد أحيانا أخرى، ومنهم من رحم ربي فكان أقرب لله.. الكل يسعى ويبحث عن شيء، عبادة، طاعة، أولاد، مال، منصب، علم، وجاهة، حكم، سلطة، شهرة وكلهم يظنون أن السعادة فيما يبحثون فقط. وحين يحصل بعضهم على شيء من دنيا فهم يغترون فينظرون لأبعد ويستمرون في البحث، فكانوا فريقين، فمنهم كما قال تعالى: «فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ» (200)، ومنهم كما قال تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (201) البقرة.بهذا كان هناك مستريح، وكان هناك مستراح منه، ولعل حديث النبي عليه الصلاة والسلام يوضح ذلك بأبلغ وصف، ففي الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم مُر عليه بجنازة فقال: مستريح ومستراح منه. فقال له صحابته: يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب أو كما قال صلى الله عليه وسلم.ذلك العبد الذي أخلص في عبادته، وطاب قلبه، وترطب لسانه بالذكر، وسلم منه الناس، وساعد اخوانه، وتكرم بفضله، وتصدق، وأدى كثيرا من أعمال الخير والبر فإن كان في وظيفته، أو منصبه، أو ماله، أو سلطته سمحا، وطيبا، وكريما، ومتعاونا، وصادقا، و عادلا فلما  ذهب به الموت كان مستريحا، ومذكورا بالخير والدعاء الطيب، وبقي أثره طويلا.   ذلك العبد الذي لم يعبد الله ولم يطعه، ولم يسلم الناس من شره، وأذاه، وبوائقه فإن كان في وظيفته  مفرطا، مهملا، وإن كان ذا سلطة كان ظالما، ومتسلطا، وآكلا للحقوق بالباطل، معقدا. وإن كان ذا مال كان محتالا، أو مرابيا، أو بخيلا مقترا، أو مبذرا، وإن كان وجيها كان مستعبدا، أو متجنيا، أو مؤذيا، أو متسلطا، أو مهينا.. هنا سيرتاح البشر منه ولن يذكر إلا بدعاء عليه.ختام القول: لا بد أن نضع قيمة حقيقية لأنفسنا فنختار لها أي الوصفين أو التصنيفين، ولا بد أن نستشرف ونتخيل ماذا سيقول عنّا البشر ممن حولنا، وممن تعاملنا معهم أو تعاملوا معنا ؟ وليسأل كل منا نفسه هل سيوصف بالمستريح، أو المستراح منه؟