ظاهرة التكريم والجوائز
كان قد استضافني أحد البرامج التلفزيونية، في إحدى قنواتنا (لا أذكر أيها الآن)، في منتدى ثقافي، وكان موضوع التكريم هو مركز الحوار. وأذكر أنني على قدر اهتمام البرنامج كنت أرفض مظاهر الإسراف والعشوائية في الثناء أحياناً على بعض الإعلام، والمبالغات في ترشيحات كثيرة للتكريم ومنح الجوائز والأوسمة. وأعود إلى تناول الموضوع مرة أخرى؛ بغرض التأمل فيما نهدف إليه من مساعينا في تكريم بعض الشخصيات، وترشيح بعض الأفراد أو المؤسسات لنيل جوائز في مجالات اهتمامها. فالمشكلة في هذه الظاهرة أساساً تنبع من الخلط بين أنواع التكريم، وسيطرة العاطفة علينا في تناول هذا الموضوع؛ فهناك تكريم في مجال العمل، وآخر في إطار ابتكار خارج ميدان العمل، كما أن قمة التكريم تكون في الجوائز التقديرية التي ينالها بعض من حققوا درجة من التأثير في معطيات حياة المجتمع، أو كان لإبداعهم تأثير في مستقبل الوطن أو البشرية.أعود إلى تناول الموضوع مرة أخرى؛ بغرض التأمل فيما نهدف إليه من مساعينا في تكريم بعض الشخصيات، وترشيح بعض الأفراد أو المؤسسات لنيل جوائز في مجالات اهتمامهاوللتكريم أنساق يفترض أن تكون مرتبة بعناية، من أجل أن تحقق الهدف المعنوي الذي من أجله تؤطر أفكار التكريم، ويُسمى المكرمون، كما يجري تفعيل الاستراتيجية اللازمة؛ للارتقاء بالحقل الذي حصل فيه التكريم، وتُصنع القدوة للناشئة والمبتدئين في تلك المجالات. وقد صدمني تعليق أحد الزملاء في واحدة من المناسبات المتعلقة بالموضوع، عندما قال: هو كبير في السن، ولم يسبق له التكريم في أي مكان!فهل تتحقق مثل هذه الخطوات في صنائع التكريم ومسلسلات منح الجوائز لدينا؟ في الواقع أن لا شيء من ذلك يتم؛ كل ما يجري في هذا الشأن لا يخرج عن جلسات شللية، تُطرح فيها بعض الأسماء المعتادة، وخاصة من ذوي الوهج الإعلامي. فلا أحد يتعب نفسه في البحث والتحري، من أجل أن تكون الاختيارات أكثر ملاءمة من الحالات الارتجالية التي تحدث في عمليات الترشيح. وفي بعض الأحيان يكون الأمر صدفة محضة أن يذكر اسم أحد المتوفين حديثاً، أو من هو على مشارف الموت؛ لأجل أن ينال شرف التكريم أو الترشيح لبعض الجوائز. في بعض المدن العالمية، وكذلك في عدد كبير من الجامعات توجد جوائز تُمنح لأصحاب الابتكارات (ليست بالضرورة اختراعات بشرية أو اكتشافات تغير مسيرة الكون أو العلم)؛ بعضها أفكار جديدة للتعامل مع القضايا الشائكة، أو وسائل أو آليات للتخلص من بعض الأزمات، بل وحتى إنجاز عمل فني يحتوي إبداعاً، أو البروز في رياضة من الرياضات التي تمارس في المدينة أو الجامعة إلى غير ذلك. كما توجد فرص لتكريم النابهين، أو المتميزين في شيء مفيد للمدينة أو الجامعة أو المؤسسة التي يوجد أولئك الأفراد النابهون أو المتميزون فيها. ويكون ذلك التكريم بأشكال متعددة؛ إما بمنح أوسمة وشهادات تقدير تفيدهم مادياً، أو ترفع من قيمتهم معنوياً، أو بتسمية بعض الشوارع أو بعض المرافق بأسمائهم، أو تدوين ذلك في سجلات الشركة أو المؤسسة المعنية لخدمة تاريخ أولئك المبدعين، وتاريخ المدينة أو الجامعة أو المؤسسة على حد سواء. وعندما فتشت عن شيء من أثر تلك التقاليد المفيدة والمشجعة للابتكار، ولخدمة المجتمع والأعمال التطوعية لدينا، لم أجد خرائط للتشجيع والتكريم والتحفيز في مؤسساتنا؛ وما يراه بعضنا على هذا المنوال، ليس في الواقع سوى شبكات يقترحها بعض المستفيدين، وتتناوبها الشبكات العابرة لحدود الأقاليم والمؤسسات، والمهيمنة على قرارات الاجتماعات والهيئات التي تصدر عنها تلك التنظيمات، أو ترشيحات الأسماء المفصلة بدقة على مقاسات معينة. وعندما تحدثت مع أحد الأصدقاء بهذا الشأن مؤخراً، رد ساخراً: وهل هو الشيء الوحيد غير الممنهج عندنا؟