أحدثكم عن الشكوى
من الملاحظ أن نتيجة التفاعل الاجتماعي الحاصل بين أفراد المجتمع والأجهزة الحكومية وجهاتها ووزاراتها وإداراتها، وكذلك المؤسسات والشركات التجارية؛ أبرزت كثيرا من المشكلات المختلفة على كافة المستويات صغيرة أو كبيرة، وما زال كثير من المواطنين الذين لديهم مصالح، ومعاملات، ومراجعات، ومستحقات، ومستخلصات وغير ذلك، ما زالوا يعانون بسبب إما أخطاء بعض الإجراءات أو تعطيلها بلا عذر، أو تأجيلها أو ضياعها أو حتى نسيانها، كما يعانون من بعض السلوكيات الوظيفية وتصرفات الموظفين، التي لا تستوعب هذا المواطن المراجع، ولا تحتويه ولا تقابله بوجه باسم. بل تفتح ذراعي التعقيد، والتطويل، والتضييع. وفي تلك الحال يقف المواطن المستفيد مشدوها ومشتتا لا يعلم ماذا يفعل؟ ولا يفهم لماذا كل هذا؟ مصالحه معطلة ومعقدة من قبل أناس لا يحسون بقيمة تلك المصالح لصاحبها، بل يتعاملون بصقيع وليس برودا.. وما زال كثير من أفراد مجتمعنا يراوح مكانه في هذا الأمر، وما زالت مشكلات العمل وقضاء المصالح تتعقد.لا شك أن الشكوى الحقيقية التي يتجه بها القلب، هي لله وحده في كل حوائجنا، ولكن تبقى المطالبة بالحقوق ورد المسلوب منها أوالتعامل الايجابي مع ما عطّل منها، تحتاج إلى أسباب قدرها الله لنا، قد ينتهجها الشخص في الحصول على مستحقاته وقضاء حاجاته الدنيوية. لنختار الأسلوب الأمثل المقبول لأي شكوى، ولنتبع ثقافة حسن التعامل، حتى في المطالبة بما نستحقإن ثقافة الشكوى في أذهاننا، فإن لم تكن معدومة، فهي غير واضحة المعالم، وضبابية الملامح، فكثير منّا يتنازل عن حقوق مسلوبة منه، أو يتجاهل أخطاء ارتكبت في حقه، أو يتكاسل في متابعة حقوق له أهملت، أو أجلت بلا سبب، أو مستحقات هضمت بسبب كسل أو تعقيد.أمور كثيرة قد لا نقبلها، تسيء إلينا أو تسلبنا حقوقنا كل ذلك يحدث في مؤسسات حكومية، شركات تجارية، مطاعم، ومراكز.فكم من الناس سواء أكان مراجعا، أو مستفيدا، أو مريضا، أو مستهلكا، جهل ما له وما عليه وخشي من شكوى المسئول، أو المحل الفلاني بسبب أخطاء أو وعود كاذبة، أو تعقيدات. أحيانا نشتري سلعة ونأخذ ضمانا ثم تفاجأ بعد الشراء وعند وجود عطل أو اختلاف في المواصفات، بجحود الموظف، فهو يقذف بك على الجهة الأخرى، وهي تقذف بك على جهة أخرى.موظف يعطل أو يفقد معاملتك بقصد أو بدونه، ويتسبب في خسرانك فرصا تستحقها.. تعبث بك واسطة دخيلة لتسلبك حقا لك.. جهة تعدك بالفوز بجائزة إذا شاركت ثم تشارك وتبذل جهدك، فلا تجد لتلك الجهة ولا الوعود ولا الجائزة وجودا. فواتير يتم حسابها مليئة بالأخطاء والتجاوزات، تحصل على شهادة وإن وجدت وظيفة فأنت تعيّن على أقل مما تستحق، معاهد دراسية تعدك بوظيفة ذات مزايا وراتب عال، ما عليك سوى الدراسة والدفع بانتظام وبعد التخرج، لا تجد من تلك الوعود شيئا، وغير ذلك كثير مما يرهق أنفسنا، ويضيّع حقوقنا معنوية كانت أو مادية ويبقى الكثير منّا صامتا أمام تساقط تلك الحقوق، وضياع الفرص.إن التكاسل عن حماية أنفسنا، ومتابعة مصالحنا وحقوقنا؛ يجعلنا نفقد الكثير من قيمتنا الحقيقية، ويضعنا في مواطن الضعف والانسحاب والهزيمة النفسية، ومن ثَم يبدأ اللوم الذاتي والعتب المستمر داخلنا، ويزداد عدم الرضا.. فلا بد من إحياء ثقافة الشكوى في عقولنا، وهي أمر مهم جدا؛ لكي يتطور التفاعل الاجتماعي وترتقي التعاملات وتسهل وتنظم وتضبط الإجراءات.. لنحتفظ بأوراقنا، وتواقيعنا، وفواتيرنا، وكل مبرراتنا، وبراهيننا التي تثبت حقوقنا وتبين حوائجنا. ولنتعرف على كل الأنظمة والقوانين التي تكفل حمايتنا ويجب على كل جهة بثها وإعلانها بجلاء.. ولنفعّل صناديق الشكاوى ولنشتكي كل من يتسبب في هضم حقوقنا، أو يسلبنا فرصنا المستحقة لنا، مستهلكين كنا، أو موظفين، أو عملاء.ولنتابع مصالحنا بشتى الطرق المشروعة، ولنثق بأن هناك من المسئولين من يكون الضباب حوله، وينتظر مثل تلك الشكوى، ويشكرنا عليها؛ لننبهه عما يحدث.. لا تردد ولا وجل ولا خجل ما دامت مستنداتنا، ومبرراتنا، وبراهيننا، وأوراقنا، وأسبابنا الصحيحة معنا، ونقول كما يقول البعض بيننا: (اشتكي الدعوة تطول وما عندك أحد). لا، هناك أحد دوما هناك من يقبل ما لدينا بصدر رحب، لكن لنعرف كيف نصل إليه.. لنشتكي ونشتكي ونشتكي كل من يقصر ويخطئ ويعقد ويعبث ويسلب.. ولنثق أن سياسة قيادتنا الرشيدة الحكيمة من حرصها على المواطن، تحث على الشكوى من أي تجاوز، أو عبث بقانون أو نظام لأجل مصالح خاصة، ولنتأكد أن أرباب الأعمال سيحرصون كثيرا على ما يسمعونه من شكوى.. ومع تكرار الشكوى وتفشي مثل تلك الثقافة؛ سوف نجد اختلافا كثيرا وتطورا ايجابيا في التعامل من قبل كل مؤسسة حكومية أو تجارية.. لكن لنختار الأسلوب الأمثل المقبول لأي شكوى، ولنتبع ثقافة حسن التعامل حتى في المطالبة بما نستحق.