حسن السبع

بنات الأفكار.. وتحليل الـ «DNA»

أثارت المحاضرة التي ألقاها الأستاذ محمد العباس، في منتدى سيهات الثقافي، سيلا من الأسئلة والمداخلات، استدعاها مضمون المحاضرة المرتبط بواقع الثقافة في المنطقة، والشفافية العالية التي طبعت خطاب الأستاذ العباس. تناولت المحاضرة "معرض الكتاب بالرياض وسؤال الثقافة بالقطيف". وفي سياق التعليق على بعض المداخلات التي أثيرت، وبشكل عَرَضي، إشكالية منح الألقاب جزافا. ومنها لقب "مفكر" التي توزع في محيطنا الثقافي بسخاء. ولأنها جاءت على شكل ملاحظة عابرة أو هامش على متن الفعالية، فقد رأيت أن تكون موضوع هذا المقال الذي ينسجم مع ما ذهب إليه المحاضر.علينا إخضاع "بنات أفكار" المفكر لفحص الـ DNA؛ لإثبات أبوته تمنح الجامعات شهادات علمية لخريجيها، فيقال فلان حائز على دكتوراة في الأدب أو الطب مثلا. وإذا لم أكن مخطئا، فإنه لا توجد مؤسسة ثقافية أو علمية تمنح لقب "مفكر"، وفقا لمعايير محددة. الأمر عندنا في غاية البساطة، فقد تُمنح صفة مفكر؛ نتيجة لانبهار مانح اللقب بكاتب لم يطلع أصلا على إنجازه الفكري. وقد يمنح محرر صحفي اللقب لمن يشاء، ولا يُسأل على ما قال برهانا.لا نعرف شخصا مُنح هذا اللقب "المهيب" فرفضه على طريقة سقراط، الذي نفى عن نفسه مسمى "فيلسوف". وقال: إنه من "هواة الفلسفة". ولا على طريقة إميل سيوران الذي يقول: "ليس لي أفكار يل وساوس". مع أن وساوس سيوران شكل من القلق المعرفي يمد صاحبه بطاقةٍ خلاقة لإنتاج الأفكار. وليست محاكاةً أو تكرارا لأفكار سابقة. وهذا ما يميزه عمّن يعيد تدوير الأفكار وإلباسها حلة أخرى، أو إدراجها تحت عناوين مختلفة. وهو شبيه بوضع العصير نفسه في قارورة مختلفة التصميم واللون. تختلف أشكال القوارير والمحتوى واحد..المفكر معني بتوليد الأفكار. وهذا ما قصده سقراط بقوله إنه لم يفعل أكثر من مواصلة مهنة والدته. وكانت أمه "قابلة" تساعد الحوامل عند الوضع. وقد نقل سقراط مهنة أمه إلى مجال توليد الأفكار.وإذا كان الفيلسوف -حسب رأي موريس بونتي- لا يصبح فيلسوفا إلا بقدر ما ينكر على ذاته حق الإقامة في المعرفة المطلقة. وإذا كان الفيلسوف "مثل مسافر في مؤخرة قطار لا يرى سوى الأماكن التي تجاوزها"، فكذلك هي الحال بالنسبة للمفكر. لكن كثيرا ممن مُنحوا هذا اللقب لا تنطبق عليهم هذه الشروط. فهم، وكما عودونا، يدَّعون حق الإقامة في المعرفة المطلقة، وينطلقون من آراء واستنتاجات مسبقة، وصاحب هذه الرؤية يجيب ولا يسأل، وهدفه الوصول إلى نتائج كان قد بيَّت النية للوصول إليها. وحين يقر سقراط بأنه يساعد غيره على التفكير، يصر صاحب اليقين المطلق على التفكير نيابة عنا.   هذا الخلط بين المفكر ومستهلك الأفكار أو ناقلها، شبيه بالخلط بين الفيلسوف والمتفلسف. ينقل غالي شكري عن نجيب محفوظ قوله: "الفيلسوف هو الذي يضيف جديدا إلى الفلسفة الإنسانية. أما الأديب المتفلسف فهو الذي يعبر تعبيرا فنيا عما يأخذ به من هذه الفلسفة. وهو يفيد الفلسفة لأنه يحولها إلى تجربة تعيش في النفس البشرية".  ويحمل التفلسف هنا معنى إيجابيا بخلاف المعنى المتداول عند عامة الناس.الحديث يطول. وقبل أن تضيق المساحة المتاحة أقول: إن ما تقدم لا ينفي (ولا يثبت) وجود من يستحق لقب مفكر. غير أننا بحاجة إلى إخضاع "بنات أفكار" المفكر لفحص الـ DNA؛ لإثبات أبوته، وترشيد منح الألقاب؛ كي نحافظ على قيمتها الاعتبارية.