هيئة الإذاعة والتلفزيون بين الجودة والهوية..!!
تحدثت في مقال سابق عن الإذاعة «إذاعاتنا بين الشكل واللون» وطرحت فيه بعض الرؤى.. وفي هذا المقال أكمل حديثي عن الهيئة نفسها وعن قنواتنا التلفزيونية الحبيبة. لا شك ان تحويل الجهاز الإعلامي فيما يخص التلفاز والإذاعة إلى نظام مؤسساتي يتضمن هيئات مختلفة تستوعب كل تفاصيل العمل الإعلامي ومقوماته سواء الداخلي أو الخارجي.. كان مطلبا مهما، وضرورة عصرية، وهدفا إعلاميا.. يسهم في بناء وتنظيم الإعلام ومؤسساته ومنتجاته، والاهتمام بجودة الإنتاج والمتابعة والتطوير. وهيئة الإذاعة والتلفزيون يتوقع ان تقوم إستراتيجيتها على مبدأ الاستقلالية والضبط وتشمل محاور: الهيكل التنظيمي.. وإنتاج البرامج.. ومصادر التمويل.. المتابعة والجودة.. وأرى أن رؤية ورسالة الهيئة يفترض ان يتعاطى معها من خلال سير عمليات منضبط بالمحاور السابقة لا يكون فيها تداخل حتى من الرئيس نفسه لكي نضمن سير عمليات إنتاج البرامج بطريقة سلسة ومضبوطة بوصف وقيمة وهدف وناتج.. حيث يمكن ان تحقق الهيئة استراتيجية «النفع العام» الذي يهدف إلى «تقديم برامج ذات اهتمامات عامة.. تعمل على: الرصد والتشخيص، وضع الحلول، دوام التثقيف، ومواصلة التوعية، ودعم الترابط الاجتماعي» عبر مراعاة «ذائقة المشاهد.. سياسة الأمان.. أداء القنوات.. قدرة المعلن.. جودة شركات الإنتاج»، كما يجب أن تُعنى بتقديم برامج ذات جودة عالية فيما يتعلق بتنفيذها، وبهدفها، وشكلها، وموضوعها، ومحتواها».واقعنا الإعلامي يحتاج إلى التخلص من تراكمات تقليدية مع المحافظة على القيمة والهوية، والاستمرار على نهج المنفعة ومن يتأمل الواقع يشعر بضرورة وضع قانون ولوائح تستوعب وتتناسب مع فلسفة الهيئة لا سياسة الوزارة.. حيث يوفر الأساس الهيكلى للإعلام المستقل كأحد ضروريات التطوير المجتمعي.. ولا نشك أن إصلاح الإعلام يحتاج إلى لوائح، وأنظمة، وقوانين مشروعة، عادلة، حرة، ومستقلة تحكم العلاقات، وتحافظ على الحقوق، وتذكر بالواجبات.. كما أن الإصلاح يحتاج إلى تركيب متمازج ومطلوب يشمل ويجمع فلسفة الإعلام الخاص وفلسفة الإعلام الرسمي «الحكومي» او ما يمكن ان يسمى بالعام. ومن المهم حقيقة مراجعة قيمة الهوية الوطنية لتبرز في مساحات المنتج الإعلامي السعودي بالذات، والتأكيد على تعزيزها إلى حد مقبول في القنوات الخاصة المملوكة لأبناء هذا البلد.. فمن يرى مثلا القناة الأولى يجدها فقدت وافتقدنا فيها الهوية الرسمية.. وما زال الكثير يتمنى عودتها إلى سياج «غصب 1» حيث حدث بها تحول رهيب وليس تطويرا.. تحول باتجاه منافسة قنوات خاصة منوعة، ودرامية.. وهذا يجعل المتابع المواطن يذهب إلى المنافس الأفضل ما دامت قناة بلاده تحولت لمحتوى مشابه لقنوات خارجة عن السيطرة.. ولا يعيب حقا ان تعاد صياغة القناة الأولى كقيمة رسمية ووطنية بما يتناسب وحاجة المواطن منها وليس رغبته في منافسة قنوات أخرى.. ولا ننسى هناك شرائح مهمة في بلادنا تهتم بأن تتابع قناة رسمية محافظة.. كما ان القناة الثانية لا يعرف إلى الآن هدفها الوطني وقيمتها للمواطن أو القيمة في ظل وجود مئات من القنوات التي تتجاوزها فلو تم تأطير مهمتها وهدفها في إبراز هوية وثقافة الوطن ومنجزاته وسياسته باللغة الانجليزية عبر برامج وثائقية مصممة بقدرات فائقة وتكون من خلال بعض البرامج الحوارية التي تصب في تعزيز صورة الوطن الحسنة، وتحسين أي صور مشوهة عن بلادنا باستضافات لشخصيات مرموقة يمكن ان تثري المحتوى.. أما الثقافية فيجب أن تتشكل بجودة، وشمول، في رحم المعطى الثقافي الإعلامي ونقل صورة الوطن الثقافية للمغترب السعودي وربطه ببلاده، وكذلك منح فرص للتحاور بين الثقافات المختلفة المقبولة، كما أنها بحاجة إلى تضمين برامج تخاطب جانب المتعة الثقافية والتسلية كمسابقات جاذبة ووثائقيات جديدة وحصرية منتجة هنا لتجذب المشاهد بعيدا عن الجدية الغامضة، والجفاف الإعلامي.. أما الاقتصادية فشريحتها معروفة لكنها تحتاج الى إضافة نوعية جديدة من البرامج الجاذبة ذات علاقة بالاقتصاد كبرامج بجوائز او عبر الخروج إلى السوق السعودي في كافة منتجاته، والوقوف المباشر على الواقع التجاري والاقتصادي للمواطن عبر برامج متابعات حقيقية ومثيرة. ختام القول: واقعنا الاعلامي يحتاج إلى التخلص من تراكمات تقليدية مع المحافظة على القيمة والهوية، والاستمرار على نهج المنفعة.. ونحن نحتاج لقنواتنا مهما قالوا فهي من يعبر عنا حقا اما غيرها فهي خيارات بديلة.