د. إحسان بوحليقة

إنصاف موظفي الحكومة

أقدر الجهود التي تبذلها وزارة الخدمة المدنية لإتاحة المجال للسعوديين والسعوديات للعمل في القطاع الحكومي، وما أطلقته مؤخراً من خدمات الكترونية تجعل التوظيف الحكومي أكثر شفافية. لكننا أمام ظاهرة لابد للوزارة الموقرة من النهوض لها، وهي معالجة ما يتداول من أن إنتاجية موظف الحكومة منخفضة، بل هناك من يقول ان ما يعمله الموظف الحكومي يقل عن الساعة يومياً! فهل ما ينسب صحيح؟ لعل وزارة الخدمة المدنية هي الجهة المعنية لتتبع هذا الأمر وبيان حقيقته، فإن كان ليس صحيحا، أي أن متوسط ما يعمله الموظف الحكومي أكثر من ساعة، فتلك قضية، أما إن كان صحيحاً، أي أن الموظف يعمل لأقل من ساعة، فالقضية أعظم. أما ترك الأمر عائماً متروكا للانطباعات فقد يعزز فكرة لابد من التعامل معها بحزم، وهو أن الجهاز الحكومي فيه تكدس لموظفين لا عمل لهم، وأن بعض الإدارات هي مكان لتجمع البطالة المقنعة!.لماذا هناك فرق في تشريعات ولوائح التوظيف في الحكومة مقارنة مع القطاع الخاص؟ لماذا لا تكون متماثلة؛ فنحن نتحدث عن موارد بشرية سعودية هنا أو هناكلعل من الملائم الانطلاق من أن المملكة بحاجة لكل أبنائها وبناتها، ممن لديهم القدرة والرغبة للعمل، وأنه –في حقيقة الأمر- لا فرق إن عمل المواطن في الحكومة أو في القطاع الخاص، المهم أن ينتج ويضيف للوطن إضافة إيجابية وأن يتمكن من خلال عمله وموقعه أن يحقق ذاته. ولذا، فليس لدينا من المواطنين ما يمكننا معه أن نبقيهم في وظائف "صورية" هدفها منحه راتبا دون أن يؤدي عملاً، فذلك تضييع لعمر الشخص وقدراته وإفساد طموحه بأن يقبل تلقي مال دون أن يبذل جهدا مقابله. ما الحل؟ الحل أن ننظر للموارد الوطنية السعودية نظرة شاملة، فلا معنى لوضع حواجز وحدود إدارية تفصل الموظفين السعوديين فقط بسبب أن هذا يعمل في القطاع الخاص وذاك في إحدى الإدارات الحكومية. إذ يمكن الجدل أن السعي لتوحيد النظرة للموارد البشرية السعودية يساعد في إزالة التشوه القائم على وضع تشريعات للعامل في القطاع الخاص وأخرى للعاملين في الحكومة، لاسيما ان الهدف الجامع هو الاستفادة من الموارد البشرية المتاحة للحد الأعلى، وذلك من خلال تطويرها وتنميتها وتوظيفها بما يعود بأفضل مردود على الوطن والمواطنين.والمقترح المحدد هنا، أنه لابد من مراجعة عميقة للكيفية التي توظف فيها شبابنا وبناتنا، هل نوظفهم التوظيف الأمثل؟ وكيف السبيل لتحقيق ذلك؟ لعل البداية بأن نحول إدارة الموارد البشرية الحكومية لتتواءم مع المعمول به في القطاع الخاص، بمعنى أن تدار الموارد البشرية في الإدارات الحكومية وفق أساليب التوظيف والتطوير والتقويم والتحفيز المتبعة في القطاع الخاص. ومن جهة أخرى أن نبذل الجهد ليشغل السعوديون الوظائف القيمة (value jobs) مع اشتراط التأهيل والكفاءة. ما الفرق بين الأسلوبين؟ هناك من يعمل موظفا في الحكومة ويأخذ العمل من منظور «أنا موظف حكومي وما أحد يقدر يفصلني!»، أو أنه يعمل في الحكومة لانخفاض ساعات العمل. الرغبة في العمل لدى الحكومة لأحد هذين السببين أو ما شابههما يعني أن نصيب الحكومة من الداخلين لسوق العمل هو لمن يبحثون عن راتب وليس عن وظيفة. أقول هذا مدركاً أن هذه انطباعات لم تقع تحت يدي أي دراسة معتبرة تثبت صحتها. وهكذا، أعود لنقطتي الأساس بأن نتعرف على واقع التوظيف الحكومي من حيث الإنتاجية ودافعية الموظفين، ولابد أن تكون الدراسة تفصيلية تشمل القطاعات المختلفة والمناطق الإدارية والجغرافية على تعددها. وبالقطع، فالدراسة بحد ذاتها لن تحدث تغييراً بل ستجعل الواقع في المتناول من حيث الفهم والادراك. أما الأمر الأهم فهو توظيف نتائج الدراسة لتوحيد التشريعات ذات الصلة بتوظيف السعوديين دون تمييز للقطاعين الحكومي أو الخاص في الوظائف المدنية. ولاشك أن ذلك سيعني تطويرا كبيراً في فكر إدارة الموارد البشرية العاملة في الحكومة لتدار دون فرق مع ممارسات القطاع الخاص، بما في ذلك انفكاك الموظف غير المنتج أو المنضبط. لم كل هذا؟ ان البلاد بحاجة لأكفأ جهاز ممكن حتى يستطيع أن يتعامل مع التنمية ويتفهم متطلبات تنويع الاقتصاد والاستعداد بتعدد الموارد وبأن جزءا متعاظما من إيرادات الحكومة سيأتي من القطاع الخاص.