الوردة لا تنحني ولا يمّحي أريجها
مع الاعتذار لرائد السيميولوجيا العالمية إمبرتو إيكو، فإن وردتنا ليست من ذات الصنف الذي ينحني، أو تزول رائحتها النفاذة. وردة حمراء أو صفراء أو بيضاء أو بنفسجية؛ هي الوردة الحاملة لآفاق المكان والأرض، وتبعث شذاها في الأثير المتعطش لاستقباله، لكي يولد من تلك الكيمياء حلقات متتابعة لرائحة التراب ووقود النفوس، لكي تقوى الأجساد على حمل الهمم العالية، ولا تتعطل إلا ريثما تتحقق الولادة. من الورود المختلفة يتكون المرج، ومن المروج تتكون الرياض الفواحة، ومع عبق الأزهار تهب رياح الربيع المنعشة. فكيف تنعش تلك الرياح الأجساد المرهقة من برد الشتاء، والمتأهبة للهيب الصيف الحارق؟ هذه ربما تكون واحدة من أسرار الكون، ومكونات إكسير الحياة الذي لا ينتهي.سلسلة الأعمال الشريرة لدى فئات من البشر لا تنتهي؛ وهي وإن كان من يقوم بها عدد قليل من الناس، إلا أنها تؤثر في الحكم على البشر جميعاًومتى تفتحت تلك الورود، فإن عصراً زاهياً يحيط بالمكان، وجمالاً باهياً يحف بالأوان. لولا فسحة التفكير في القادم الجميل، ما تحمّل البشر كثيراً من منغصات الحياة. إذ تهون الصعاب عندما يكون في الأفق بارقة أمل، تشع بوصفها هدفاً، وجائزة للمكافحين للوصول إليها؛ إنها الزنبقة السوداء، كما قال صاحب رواية: حول العالم في ثمانين يوماً. وكما قال الشاعر: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل! تتفتح الأزهار وتشبع الأجواء بالشذى، ويسود الجو روح الوئام والرضا لدى الناس .. وبين شذى الأزهار ورضا الناس قصص عجيبة من التكامل والبناء، ليخلق طموحاً عالي المدى. وكيف تكون حياة الإنسان دون وجود الطموح الذي يدفع بالإنسان إلى اجتراح المعجزات؟. لكن من الذي يضع الحواجز دون نمو تلك الورود، ويحجب الماء عن أن تصل إلى جذورها، أو يدفع الرياح الشديدة المؤذية لسيقان هذه النباتات الرقيقة؟ يوجد بالتأكيد من يكرهون الورد برائحته النفاذة وجمالياته الأخاذة؛ من أجل ذلك يعملون على صناعة تلك السدود والحجب. كما يوجد من البشر من تتجلى سعادتهم في كآبة الآخرين وبؤسهم، وهم موجودون في كل مجتمعات الدنيا، وفي كل أزمان الحياة؛ لكن مهمة البناة الحقيقيين للمجتمعات تتجلى في تعريتهم أولاً، وإبعادهم ثانياً عن مسالك الحياة العامة، لأنهم خطر ليس على أنفسهم فحسب؛ بل على الآخرين في جوارهم، وعلى البشرية جمعاء. سلسلة الأعمال الشريرة لدى فئات من البشر لا تنتهي؛ وهي وإن كان من يقوم بها عدد قليل من الناس، إلا أنها تؤثر في الحكم على البشر جميعاً. وفي كثير من الأحيان تكون مقصداً للعناصر الفاسدة والمكونات قليلة الفائدة، مثلما تصنع أغصان النبات الساقطة في المياه، حيث تعوق حركته، وتؤوي الطحالب التي تمنع النور من النفاذ، كما تؤدي إلى رائحة كريهة في المياه الراكدة. وكثير من الناس تخدعهم الألوان الخضراء الزاهية لتلك الطحالب، ويؤخذون بحركتها الرقيقة فوق سطح الماء؛ غير آبهين بما تحتويه من الطفيليات المؤذية والترسبات المتراكمة. تراءت لي تلك الأشباح، وأنا أحدق في إحصاءات عن إنجازات البشر في كل مكان. فقلت لمحدثي: هناك فرق كبير بين من يبحث عن ثغرة فارغة ليبنيها، وعن منجز لم يتم ليبذل جهوده في إكماله؛ وبين من يبحث عن ثغرة في منجز ولو متوهمة لينفذ منها إلى هدم البناء، أو وصفه بالفاسد، وعن فراغ يتبجح فيه بأنه لم يسبقه أحد إليه. شاهت وجوه من يتلذذون بعذابات أصحاب القلوب المكسورة. سيشهد التاريخ بأنها كذلك إلى وقت معلوم؛ وأن طاقة جبارة تنمو من ردهات الحواجز، ومسامات الرياح السموم، وحتماً ستكون النخلة محاطة بالورود؛ خير من أن تكون محاطة بأشياء أخرى طارئة، وليست من صنف النخلة واستمرار الحياة.