حسن السبع

فرض البلاهة على الناس

لم تكن الطريق التي سلكها الإنسان من الهمجية إلى المدنية ممهدة. فلكل خطوة خطاها الإنسان إلى الأمام ضريبتها، بما في ذلك خطواته نحو المعرفة. وفي هذا اليوم (23 أبريل/ نيسان) من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للكتاب، وقد اختارت اليونسكو هذا اليوم؛ لأنه يصادف ميلاد ووفاة عدد من الكتاب، الذين كان لهم دورٌ بارز في إثراء الثقافة الإنسانية. غير أن الاحتفال بيوم الكتاب يعيد إلى الذاكرة وسائل التدوين البدائية، وصعوبة الحصول على الكتاب. كما يذكرنا بأزمنةٍ معتمة تعرضت فيها الكتب للمنع والإتلاف واضطهاد رموز التنوير.للكتاب، باعتباره وعاءً للمعرفة، أهمية في حياة الشعوب، وهذا ما عناه الكاتب والفيلسوف الأمريكي ألبرت هبرد (ت: 1915) بقوله: إن بلاده لن تكون متحضرة إلا إذا صرفت على الكتب أكثر مما تصرفه على العلكة. وكان البير كامو يرى أن الكتب هي الجامعة الحقيقية في أيامنا هذه.. وهي حقا جامعة مفتوحة يستطيع كل من يعرف مبادئ القراءة الالتحاق بها دون شروط. فلم يحصل عباس محمود العقاد إلا على الابتدائية للالتحاق بتلك الجامعة المفتوحة. وهو القائل: "أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني".اختفت فهارس الكتب المحظورة، وزالت أسبابُ "فرض البلاهة على الناس"اليوم تزخر رفوف المكتبات الأوربية بمؤلفات من كل ألوان الطيف الفكرية. لكن تلك القفزة الحضارية لم تحدث بين ليلة وضحاها، فقد تطلب ذلك زمنا طويلا كي تتجاوز أوربا ظلامها، وتصل إلى هذا الانفتاح الثقافي الذي تنعم به الآن.   وفي القرون الوسطى، تفنَّنت محاكم التفتيش في حجب المعرفة. وابتدعت المحاكم الإيطالية نظام الفهارس الخاص بالكتب المحظورة، كان الراهب باولو ساربي المعارض للإكليروس قد وصف ذلك النظام بقوله: "إن الفهرسَ هو أبدع سرٍّ كشف إلى الآن لفرض البلاهة على الناس". وتطبيقاً لنظام الفهارس أُحرقت آلاف الكتب في روما ونابولي وميلان وفلورنسا والبندقية.أما الفيلسوف الهولندي إرازموس (ت: 1536) صاحب الكتاب الساخر "مديح الحمق" فقد عبر عن عدم جدوى مصادرة وإتلاف الكتب بقوله: "بحرق مؤلفات لوثر تستطيع أن تخلي رفوف مكتبتك منها، لكنك لا تستطيع أن تزيلها من عقول الناس"!         استمرت الرقابة على الكتب ومنعها حتى نهاية القرن التاسع عشر أو أبعد قليلا، الأمر الذي دعا سيغموند فرويد إلى التساؤل: "ترى أي تقدم حققناه؟! لو عشتُ في القرون الوسطى لحرقوني، أما الآن فإنهم راضون بحرق كتبي"! وبعبارة  بليغة ساخرة يعرِّف جورج برنارد شو "كمال الرقابة" بقوله: "تبلغ الرقابة أوجَ كمالها، في حالة عدم السماح إلا بقراءة الكتب التي لا يقرؤها أحد"! وما أكثر الكتب التي لا يقرؤها أحد، أو يقرؤها بعضهم بنهم شديد، لكنها لا تخدم هدفا تنويريا أو تصنع وعيا اجتماعيا.اختفت فهارس الكتب المحظورة، وزالت أسبابُ "فرض البلاهة على الناس"، وأصبحت مؤلفات فرويد وجاك لندن وباسترناك ونابكوف وميللر تحتل الواجهة وتستقر هذه الأيام آمنة مطمئنة على رفوف مكتبات أوربا الشرقية والغربية.هذا غيض من فيض محنة الكتب والمفكرين في الغرب، وللشرق مع الكتب والكلمة بشكل عام "قصص تنام عند سماعها واقفا" كما يقال. وقد رصد بعضها الأستاذ ناصر الحزيمي في كتابه الشائق (حرق الكتب في التراث العربي) الذي تتبع فيه بعض حوادث وأخبار إتلاف الكتب العربية.  كل عام والثقافة بخير.