حادث البشري في هدوء
فور حصول الحادث الأليم الذي تعرضت له أسرة الدكتور إسماعيل البشري (مدير جامعة الجوف) على الطريق البري الرابط بين السعودية والإمارات، وتوفي فيه أولاده الخمسة؛ انهالت الكتابات والتعليقات بصورة عاطفية، وأغلبها -إن لم يكن كلها- تصب جام غضبها على المرور، الذي كان تقصيره -حسب وجهات نظرهم- واضحاً في عدم التوعية أو القيام بواجبه كما ينبغي.ولست هنا بصدد الدفاع عن المرور، ولا عن أي جهة أخرى. لكن تعقلنا ووعينا بأبعاد المشكلات هو الذي كان غائباً في مثل تلك التحليلات؛ وإلا ما علاقة إدارات المرور أصلاً بالطرق السريعة بين المدن؟ فهناك إدارات مسؤولة عن متابعتها ورصد السير عليها، وإدارات أخرى مسؤولة عن إنشائها وصيانتها. من الإدارات الأولى: أمن الطرق والدوريات والمراكز المعنية بشؤون ما هو خارج المدن؛ ومن الإدارات الثانية: وزارة المواصلات، وربما الإمارات المعنية بكل طرق تمر بأي من محافظاتها.إذا كانت التوعية مطلوبة للناس؛ فإن مناط الاهتمام بها يفترض أن يكون لدى وزارات مثل الإعلامفإذا كانت التوعية مطلوبة للناس؛ فإن مناط الاهتمام بها يفترض أن يكون لدى وزارات مثل الإعلام التي تملك الوسائل اللازمة لنقل الإرشادات المطلوبة، أو وزارة التربية والتعليم التي تملك المنافذ الضرورية لإيصال كل ما تريد إلى المدارس، وهم -خاصة مدارس البنين- من سيقود السيارات، إضافة إلى أنهم يشكلون الشريحة المحتاجة إلى التوعية. هذا خلافاً للجامعات ووسائل الإعلام العامة والخاصة ومنابر المساجد التي عليها أن تنزل إلى حياة الناس اليومية. وماذا سيعمل المرور بصورة أكثر فاعلية من تلك المؤسسات القادرة فعلاً على الوصول إلى شرائح مختلفة من الناس، وبطريقة يومية ومستمرة. إدارات المرور تنشر إحصاءات مخيفة عن عدد الوفيات والإصابات الناتجة عن الحوادث المرورية داخل المدن وخارجها؛ لكن الناس تسد آذانها، ولا تقرأ بوعي تلك الأرقام الموجودة على أغلب التقاطعات في شوارع المدن. على أن الأمر الحاسم في حوادث مثل تلك الطرق المفردة هو في خطورة استخدامها بالاشتراك مع شاحنات تمتد أحياناً في خطوط أفقية لمئات الأمتار، وهي حالة الطريق التي وقع فيها حادث أولاد البشري رحمهم الله.لكن المشكلة الكبرى في نظري هي بلادة الناس وأنانيتهم المفرطة، ليس في الطريق والشارع فحسب؛ بل أيضاً في كل شؤون حياتهم عندما يكون هناك ازدحام أو تنافس على مورد من الموارد العامة. وأخص بالدرجة الأولى سكان المدن الكبيرة، الذين يتفانون بصورة عجيبة في إيقاع أنفسهم في المهالك، أو تعريض من معهم أو ممتلكاتهم للخطر من أجل الحصول على طريق مختصر، أو تجاوز الناس جميعاً في مسلك خاطئ. وربما يكون السائقون في الأرياف والمدن الصغيرة أفضل حالاً بسبب سهولة التنقل فيها، وعدم الحاجة إلى كثير من الوقت للوصول إلى الهدف؛ لكن هؤلاء السائقين أنفسهم عندما يدخلون المدن الكبيرة يمارسون السلوك نفسه الذي يرونه في شوارعها.فهل رأى من يسكن في مدينة الرياض، أو يتجه من مطار الملك خالد إلى المدينة، كيف هو المفرق الذي يقسم الطريق إلى طريقين: طريق الأمير سلمان يميناً، وطريق امتداد الدائري الشرقي شمالاً؟ وبالتأكيد في المدن الأخرى الكبيرة ما يماثل ذلك. يبقى كثير من السائقين على المسار الأيمن، ثم ينحني بكامل سرعته إلى اليسار، ليأخذ امتداد الدائري الشرقي، أو العكس؛ مع وجود لوحات إرشادية قبل مسافة كافية من افتراق الطريقين. ورغم وضع أعمدة فوسفورية عاكسة لم تمنع خطر التهور الذي يمارسه السائقون على ذلك الطريق. هذا المجتمع ليس له حل.. ليس من المعقول أن يوضع رجل مرور لكل مواطن، ولا حواجز اسمنتية بين المسارات!