النصر .. أكبر من الفرح ..!!
البطولة في كل دول العالم حدث كبير، لكنه لا يستمر طويلا، ولا تتوقف عندها سلطة الإعلام، ولا يقفز لها الساسة ورجال الدين، إلا ما ندر، وإن حدث ذلك سرعان ما ينطفئ بريقها، إلا بطولة النصر هذا الموسم بشقيها الدوري والكأس. فقد أحدثت براكين من نوع آخر، أخرجت على أثرها خلايا عاشقة صامتة من سنين، غابت وتوارت بفعل الأسى الذي كابدته في سنوات عجاف لنصر كان (صرحا من خيال فهوى). فبعد جيل الأسمراني ماجد عبدالله والحضور الطاغي للرمز الراحل عبدالرحمن بن سعود اللذين ساهما في شعبية النصر الجارفة ووصوله لمنصات التتويج، ومشاركته العالمية المدوية حتى الآن، اختفى وهجه منذ العام 2001م، واستمر في رحلة الإخفاق لأكثر من خمسة عشر عاما، سار فيها محبوه على أرصفة الظمأ، حتى جاء أواخر موسم 2013 ومطلع 2014 فارتووا بلقبي الدوري والكأس. قفز النصر بلقبيه هذا الموسم إلى ظواهر عديدة لم تكن موجودة في الساحة الرياضية من قبل، فقد سجلت الأحوال المدنية - لأول مرة في تاريخها - اسم المتصدر والمتصدرة للمواليد الجدد، وكحيلان وكحيلانة نسبة إلى رئيس النصر الأمير فيصل بن تركي. كما جاءت (هاشتاقات) جديدة على وزن (متصدر لا تكلمني) تعبر عن جوانب اجتماعية ونفسية واقتصادية، مثل هاشتاق مصطفى الآغا (متخرفن لا تكلمني) الذي يعبر عن خضوع الأزواج لزوجاتهم، و(متعكر لا تكلمني) الذي يعبر عن حالة مزاجية للفرد، وغيرها من الهشتاقات الشهيرة التي خرجت مرادفة للهشتاق الأصلي. بصراحة أكثر حرك الانتصار النصراوي عالم (التجارة والربح) حيث أصدرت شركة الاتصالات (زين) نغمة في الجوال تقول (متصدر لا تكلمني)، وحاليا بدأت شركات ألعاب الأطفال في تصنيع ألعاب خاصة، تحمل صورا وأصواتا لكلمة (متصدر لا تكلمني). أشعل النصر سوق الغناء والشعراء بظهور أكثر من أغنية لصدارة النصر، وأصبحت تتداول في الأماكن العامة والاستراحات والديوانيات، عطفا على مدرجات الملاعب. لا أعرف السر وراء هذا الحراك المستمر حتى يومنا, بأفراح أفراد ومؤسسات, ومدن وقرى, بعودة النصر للمنصات, لكن الأكيد أن أصفر العاصمة خزان وقود كبير لعاطفة ملايين تدفقت عليه بحرارة هذا الموسم, ولا أعتقد أن الحرمان فقط هو من أوجد هذه الحالة, بل عوامل أخرى ساهمت في هذه العاطفة الجياشة, وقد يكون الغريم التقليدي في مقدمتها. النصر حالة استثنائية في الفوز والخسارة, فهو النادي الذي لا توجد به منطقة وسطى ما بين العشق واللاعشق, فهو في حالة هيام مستمرة في الفرح والحزن, وهي معادلة تميز بها جماهير أندية عريقة وفي مقدمتها جماهير ليفربول الانجليزية. في النصر أشياء جميلة جدا , تنقلب في حالة الخسارة لمزاج متعكر , يحول لوحتها الجميلة إلى صورة بائسة في لحظات, لكنها سرعان ما تعود الى قالب الهيام الذي قدمه النصراويون هذا الموسم , حتى في أدبيات الخلايا العاشقة التي لبست رداء الصمت لسنوات , وخرجت تغني هذا الموسم. الحقيقة التي لا جدال فيها , أن لنصر " النصر " مذاقا خاصا , هو أقرب للانتفاضة والثورة الفرائحية, وهو شبيه بتحويل الكون لعالم من الفرح الذي لا يوجد به أي نقطة بحر من الحزن , رغم أن مياه حزنه أكبر من يابس فرحه في مساحة السنين. باختصار فرحة النصر في موسم تعادل إخفاق عشرة مواسم.