عن الجودة أحدثكم
(لو كان تطبيقنا للجودة رجلاً لقتلته) هذا ما أردده من حين لآخر بيني وبين نفسي وبيني وبين من ينفتح هذا الموضوع معهم من حين لآخر، وكان آخر من شاركتهم النقاش حول هذا الموضوع الأستاذة أسماء الزهراني ونحن نتشارك اليوم سيارة تقلنا من جامعة سعود بالرياض إلى الفندق، وهذا موضوع شائك إذا تحدثنا فيه مع من هم في مواقع إدارية أشاحوا بوجوههم عنا لأنهم يرون أو يظنون أننا ضد الجودة نفسها وهذا غير صحيح، ولهذا يكون كل ظنهم بنا (إثما) وليس بعضه، فقد مرت بضعة أعوام ونحن ومقاييس الجودة في التعليم الجامعي في عراك مستمر في فهم المقاييس التي طالما فسرت بطريقة ما ثم فسرت بطريقة أخرى في وقت آخر، ولهذا عدة أسباب منها تكرار المفاهيم والمصطلحات الواردة في استمارات القياس وكذلك التكرار الممل فيها. كما أن تلك المقاييس يفترض أن تأخذ بيدنا جميعاً إلى خطوات تطويرية تصاعدية؛ وأعني بذلك الطالب والاستاذ والإدارة ولكن هذا لم يحدث حتى الآن لأننا في شغل عنه من أجللا بد من إعادة النظر وتقويم العمل في المسار الذي تنتهجه جامعاتنا في تعاملها مع الجودة التنفيذ الآلي والورقي لمتطلبات الجودة، فكل مرؤوس ينفذ ما يريده الرئيس لمجرد التنفيذ ولمجرد أن يثبت ذلك بالورق ويوضع ذلك الورق في الملفات ثم تعد عشرات التقارير عن عشرات الملفات. دخلت يوماً إلى أحد مكاتب القسم فوجدت عربة -من الحجم الكبير من عربات مراكز التموين الغذائي- ممتلئة بملفات ضخمة غصت بالورق من الغلاف إلى الغلاف فضحكت وقلت: إن هذا المنظر الورقي ضد الجودة تماماً، ولكن سخريتي لم تضحك أحداً وكأن لسان حال من سمعوني يقول: اسكتي أيتها المتذمرة الكسولة!! وهذه هي التهمة التي تلصق بكل من يسول له عقله أن يعلق على الطرق التي ستأخذنا إلى تحقيق الجودة والاعتماد الأكاديمي الذي تسعى إليه الجامعات كل واحدة منهن على طريقتها رغم توحد المقاييس، والفرق يكمن في الأسلوب الذي تنتهجه كل إدارة على حدة. وأعتقد أن مشوارنا مع الجودة بدأ من حيث بدأ غيرنا من جامعات العالم لا من حيث انتهوا، ولهذا نتخبط كثيراً ونعدل ونبدل ونستند على الورق وننام على الورق لكي نجعلها دليلاً واثباتاً لكل ما نقوم به حتى صار الورق أهم من الجودة نفسها وصار ما تعطيه لنا الجامعات بيد تأخذه باليد الأخرى!! والأهم أن مستوى الطالب الجامعي لم تبد عليه آثار تلك الجودة. عندما أقارن بين ما نمارسه لتحقيق الجودة وما تمارسه الجامعات الأخرى العالمية التي حققت مراكز متقدمة في التصنيف العالمي يهيأ لي أننا نعيش في الماضي البعيد مقارنة بما هو حاصل عندهم وما يحصل عندنا. هناك خلل كبير لم تهتد إليه الإدارات التي تظن أن تعبئة الاستمارات القياسية هو فقط ما يضعنا على عتبة الجودة. ويضعون في اذانهم طينا وعجينا حتى لا يستمعون لآراء عضو هيئة التدريس الذي صار وقته كله داخل أسوار الجامعات وخارجها مسخر للهاث خلف الجودة الورقية التي نصطدم بها كل يوم وهي صلبة وثقيلة وما أنزل الله بها من سلطان إلا أنها دليل يحتضنه المسئول ويقول جودتي حبيبتي!! لا بد من إعادة النظر وتقويم العمل في المسار الذي تنتهجه جامعاتنا في تعاملها مع الجودة، فما نعيشه هو مجرد تنفيذ آلي لا روح للجودة فيه.