د . فالح العجمي

التواصل والتشيؤ في الفن والإبداع 1 – 2

عندما تستخدم أي من المصطلحات الدالة على عناصر التواصل، فإن عدداً من الإرهاصات النفسية تتحفز لتحديد الدائرة المناسبة لاستيعاب دلالاته. كما تشتغل أعداد من التشابكات العصبية لنقل الرسالة المتعلقة بذلك التحديد عبر شبكة الخلايا العصبية، وهو ما يجعل اللحظات الأولى للتلقي، أو الملاحظة في تتبع الأحداث ذات أهمية كبرى في طريقة اشتغال العقل، التي أيضاً تؤدي إلى فهم موازٍ لمستوى تلك الدائرة، ودرجة مجازها، وقوة علاقتها بمجتمع المرء المتابع، أو بيئته. وهي عوامل تشترك جميعاً في صناعة العقل الفردي، الذي يتمايز به شخص عن آخر، ويتباين في نسب استخدامه للطرق المبينة أدناه في التفكير.تختلف الشعوب والمجتمعات في حصر أولويات التواصل وحدوده، لكن الأمور النسبية فيه تصبح عرفية إذ توجد ثلاث طرق لاشتغال العقل في قضية مطروحة للتفكير؛ إحداها أن يختار المرء أحد الأنماط المعتادة في تحليل الوضع، وموقع تلك القضية في إطار مثلث: الحدث– الفاعل (العارض)– المراقب (المتلقي). الثانية أن يعيد مراحل التفكير الأولية، بدءاً من وجود عناصرها الحسية، وتطور مراحله، ومجازات العلاقات بين عناصرها، ومدى توافق أي من التقديرات الموجودة في النماذج المتحققة مع تحليلاته الذاتية. أما الثالثة، فيتوقف فيها تسلسل المراحل على التجارب الذاتية من مشاعر سابقة مصاحبة للمعرفة بهذه القضية؛ حيث تكون الأحكام العقلية مستدعاة من اللاوعي، ودرجة حدة الحكم قائمة على طريقة عرضها ومدى تصور تقاربها مع التجارب السابقة.وفي حين أن الثانية طريقة موضوعية، والثالثة انطباعية– عاطفية؛ فإن الأولى، وهي المرتبطة بهذا الشأن متغيرة باختلاف عدد الأنماط المطروحة، وقوة الدعايات التي تكسبها صدقية، ومدى الكاريزما التي يتصف بها الأشخاص المنسوبة إليهم تلك الأحكام، أو الذين يقومون بعرضها والدفاع عنها.للوصول إلى معرفة مدى تأثير الوسائل التواصلية طريقان؛ أحدهما من خلال تقصي اختلاف الشعوب في طرق تواصلها، واللغات المختلفة في تقنيات التواصل ودقة آلياتها، وكذلك البيئات المؤقتة أو الدائمة بكافة تفصيلاتها، وعوامل التأثير فيها.الطريق الآخر يتمثل في التركيز على موضوعات الاهتمام، ومثيرات التواصل؛ بشكل طولي، وبأبعاد كل ما يتعلق بذلك الموضوع: تواصل ترفيهي أو اجتماعي أو رياضي، أو حوارات أو مناكفات، أو استخدام أي وسيلة تؤدي وظيفة تواصلية.الجدير بالذكر أنه مع تعدد الأنظمة السياسية والاقتصادية، تنشأ علاقات قوى جديدة، وعوامل دفع اجتماعي مختلفة. إذ تصبح العلاقات القديمة غير وافية بمتطلبات الأنظمة الجديدة؛ ومن هنا تكون قضايا الحريات والتشريعات مطروحة من جديد في الإطار السياسي، وتكون كذلك قضايا الإنتاج والسوق والتبادل التجاري والضرائب ورؤى المال قابلة لإعادة النظر في ظل الأوضاع المتغيرة في الإطار الاقتصادي.كما أثر وعي الإنسان بوضعه، وعلاقاته مع الأفراد الآخرين في مجتمعه، وبعلاقات مجتمعه مع المجتمعات الأخرى، وبالإنسان –بشكل عام– مع البيئة من حوله، وربما بأنظمة الكون، وما يتأثر به منها؛ في تكوين أولويات ذات ترتيب دقيق بشأن ما يريد المرء تحقيقه في تواصله مع الآخرين. فمن جهة أصبحت هناك حدود للتواصل، حسب درجة العلاقة بين الناس، ومناسبة البدء أو الاستمرار في التواصل معهم، وكذلك في الوقت الذي يريد المرء أن يجعله متاحاً؛ بحيث لا يكون مقتطعاً من أوقات راحته، أو ما يصرفه لأسرته وأعماله الخاصة.وبالطبع تختلف الشعوب والمجتمعات في حصر أولويات التواصل وحدوده، لكن الأمور النسبية فيه تصبح عرفية؛ ليست في المجتمعات فحسب، بل أيضاً في بيئات العمل وإيتيكيت بعض النشاطات، التي ربما يشترك فيها المهتمون بها أو الممارسون لها في العالم ضمن مبادئ متعارف عليها تقريباً. فلاعبو الغولف وجمهوره –على سبيل المثال– تعارفوا على محددات معينة لأشكال التواصل داخل ساحات اللعب، وعلى أطراف تلك الساحات، أو مداخل ملاعبه، وتوزيع الأدوات، وغيرها مما يتخذ شكل قواعد اللعب وشروط الحضور والاستمتاع.وفي أمور القهوة العربية، التي تتطلب هيئات تواصلية متعددة؛ بدءاً من طقس الدعوة إليها، وإعدادها –إذا كانت ضمن الظروف التقليدية– وتناولها، ومراعاة الطقوس المصاحبة لكل تلك المراحل، تنشأ أيضاً ظروف تواصلية لها محدداتها، والموضوعات التي يجدر التطرق إليها في مثل تلك الأوضاع، إضافة إلى كليشات الافتتاح والسرد، والتحول بالخطاب بين الحضور. وكل ذلك يتطلب خبرة في هذه القضايا، ودراية بمواقف كل حالة تواصل منها، إضافة إلى ضرورة وجود مخزون من القصص والحكايات التي تكون موضوع ذلك التواصل. فلننظر إلى وصف لطقوس تناول القهوة العربية، مما تحول إلى صورة شائعة في أوساط عشاق التراث الشفهي في شبه الجزيرة العربية:يا ما حلا الفنجال مع سيحة البالفي مجلس ما فيه نفس ثقيلههذا ولد عـــم وهذا ولد خالوهذا رفيق ما ندور بديلـهكما أن للموضة أيضاً تأثيراتها في خلق أجواء التواصل. فمثلما أن لعارضات الأزياء إيحاءاتهن في إظهار الرقة والرشاقة ونعومة الحركة، من أجل لفت الانتباه إلى جانب يدعو إلى التواصل البصري –على الأقل– معهن، ومع المنتج الذي يروجن له؛ فإن لأسماء تلك الماركات العالمية الشهيرة الجاذبية نفسها في إيجاد ميل نحو البضاعة، التي تحمل اسماً منها. وهذا –بالطبع– يؤدي إلى كون التواصل مع شعارات تلك الماركات أو أسمائها يجري في اللاوعي؛ فيكون قرار الميل نحوها بأوامر غير مدركة من الدماغ، حتى وإن برّر الناس لأنفسهم ذلك الاختيار، بكون المنتج متين الصناعة، ومتقنا وعصريا... إلخ. وفي الجزء الثاني سنتطرق إلى آثار التشيؤ في العملية بكاملها.