مسئول «غير مسئول»..
حين نَصِف أحدهم بقولنا "المسئول"، نقصد أنه صاحب المنصب الذي أصبح وأمسى مسئولا، يحل ويربط في أمور كثيرة.. والذي تم اختياره لينجز مهام وطنية للمواطن في قطاع عام أو خاص، ويدير شئون جهته بمسئولية تامة؛ ليحقق الهدف المنشود من تعيينه واختياره، فيَصِلُ بأداء أمانته وإرضاء المواطن إلى رضا الله أولا ثم رضا من عيّنه، فيكون الأمر تكليفا حقيقيا وليس تشريفا. ولكن، يوجد من الناس من هو في مكان المسئولية لكنه "غير مسئول"، بسبب ما قد يعانيه المواطن منه أو يعانيه الوطن، دعونا نبدأ حكاية المسئول "غير المسئول"..حين يرتفع مسئول ما "غير مسئول" على كرسيه وخلف مكتبه، مؤكد أنه سينتفخ في ذاته، وتتورم نفسه، فينتج أنه سينخفض في قيمته الحقيقية كمسئول مؤتمن.. الانشغال بالكراسي، وفخامتها، وأبهتها، وأضوائها، هو إشغال للنفس عن العمل الذي استوجب وجودها على هذا الكرسي، أو ذاك، وإهمال للواجبات تجاه الناس والوطن، تلك الواجبات التي ألقيت على الكرسي ليحملها أمانة وعهدا. فخامة الكراسي لا تصنع مسئولين ناجحين، لكن المسئول الناجح يصنع كراسي فخمة،فخامة الكراسي لا تصنع مسئولين ناجحين، لكن المسئول الناجح يصنع كراسي فخمةملاحظ أن بعض الكراسي هي ألين بكثير من قلوب مسئولين يحملون القسوة وتحملهم، ويلتحفون بالغلظة وتلتحف بهم، في حالة إن وصل المواطن للمسئول وفتحت له الدهاليز، ووصل إلى المكتب، فإن مقاسات وأبعاد المكاتب لدى المسئول "غير المسئول" تعتبر مقاسات قصيرة في عرضها وطولها، ولا يفرق كثير ببعده عن المواطن إذا وقف أمام هذا المسئول، إلا أن المسافة بين المسئول أو صاحب المنصب الذي يجلس خلف هذا المكتب هي مسافة شاسعة وبعيدة جدا، ولها أبعاد واتجاهات واسعة ومتعددة، فالمسافة بين بعضهم وبين المواطن هي مسافة بُعد معنوي، وفكري، وعاطفي، وليست مسافة باب أو مكتب. المسئول "غير المسئول" لا يحمل أمنيات، ولا يضمّ أحلاما بين جوانبه، فوصوله للمكانة والوجاهة والكرسي هي منتهى أحلامه، وغاية أمنياته، وما بعد ذلك فالطوفان، المسئول "غير المسئول" هو يعشق واقعه الشخصي أكثر من واقعه الوظيفي، ويدخل مسئوليته من باب النحافة، ويخرج من باب البدانة، يقضي معظم وقته خارج وظيفته، وداخل مجاملاته، وبين رحلاته، وحول اهتماماته، ويحرص على إدارة مكتبه باختيار أناس يكرِّهُون الناس أن يعودوا إلى مكتبه مرة أخرى، ويحرصون على "تسليك" الأمور، وإبعاد المسئول"غير المسئول "عن ضجيج المواطن وطلباته المزعومة من قِبلهم. المسئول "غير المسئول" لا يخطط، ولا ينظّم، ولا يدير، بل يوزع العمل على كم من الوكلاء ومن ينوب عنه، ويكثف الرجال حوله ليقوموا بكل شيء، وهو لا يسمع جيدا إلا لمن هو فوقه، ولا يرى إلا في مدى بصره، ولا يتذوق إلا نكهته، ولا يتلمس إلا حاجته، ولا يشم إلا رائحته. ختام القول: لفظ مسئول هو من السؤال، أي أنك يا مسئول ستسأل عن أمانتك من ملك الملوك، وستحاسب عما كنت مسئولا عنه، وسيتحمل عنقك كل حق أبطلته، وكل باطل حققته، وكل خير حجبته، وكل شر نشرته، وكل حاجة لمواطن صددته، وكل ظلم دعمته، وستسأل عن كل عهد قطعته، وكل حلف حلفته، فكن يا مسئول "مسئول".