وللنَّاسِ في «مَا يقرأون...»
يتحين «النهائيون» الفرصة لإعلان نهاية شيء ما. فما إن أطل عصر الصحافة الإلكترونية حتى بادروا إلى إعلان نهاية الصحافة الورقية. يعز عليهم أن تتجاور الأشياء أو تتكامل، غير أن هذه ملاحظة هامشية على المتن، أما المتن فهو علاقة القارئ بالصحيفة وتفاعله مع ملاحقها المختلفة، وسواء كانت الصحيفة ورقية أم إلكترونية، فإن لتلك العلاقة دلالاتها الثقافية والاجتماعية.علاقة القارئ بالصحيفة مؤشر له دلالاته الثقافية والاجتماعيةطلبت مرة من أحدهم مشاركة شعرية أو نثرية لأنشرها في الملحق الثقافي لهذه الجريدة، فاعتذر مبررا ذلك بأنه لا ينشر نصوصه ولا بحوثه إلا في المجلات. فالمجلة يمكن الاحتفاظ بها بعد القراءة، أما الصحيفة فيتم التخلص منها، وقد تتخذ (سُفرة) في شقق بعض العزاب، ويصعب عليه أن يرى «فتافيت قلبه» و«بنات أفكاره» تحت أنقاض المائدة مبتلة بالشوربة أو ملطخة بصلصة الطماطم «الكتشب». تذكرت تلك الملاحظة حين رأيت نصا من نصوصي في بيت أحد الأصدقاء، وكان على وشك أن يلاقي المصير نفسه، لولا أني انتشلته قبل أن تطبق عليه الأطباق.أذكر كذلك، أنني كتبت مرة مقالا بعنوان «الجرائد تنفد باكرا أحيانا» فقد ذهبت إلى البقالة فوجدت المكان المخصص للجرائد فارغا. كانت الساعة الثامنة صباحا، فسألت البائع: ألم تصل الجرائد؟ ابتسم لي قائلا: وصلتْ، ولكنها نفدتْ، فقد اشترى أحدهم كل النسخ. تساءلت: ولماذا اشترى كل النسخ؟ هل تحتوي على صورته وهي تنشر لأول مرة؟ أم على صور حفل زفاف نجله أو أحد أقاربه؟ قال البائع: لا هذا ولا ذاك، لكنه يدهن بيته من جديد، وسوف يستخدم الجرائد لحماية الأرضية من الأصباغ. استنتجتُ من هذا التصرف الغريب أن الجرائد لا تشترى دائما لِتُقرأ! وفي هذا السلوك امتهان للكلمة واستهانة بالثقافة. لا تغني الجريدة عن الكتاب. فهي ليست وجبة ثقافية «كاملة الدسم»، مع ذلك لا يتصفح بعضهم جريدة أو مجلة إلا في صالون الحلاقة، أو عند طبيب الأسنان. كان ذلك قبل اختراع الهواتف المحمولة، أما الآن ففي يد كل شخص هاتف ينسيه من حوله وما حوله. وأما الأدهى من ذلك كله فهو أن يتباهى بعضهم بالجهل فينفي عنه تهمة القراءة.وبشكل عام فإن الصفحة التي نبدأ بها تصفحنا للجريدة تدل على ميولنا وأولوياتنا، ولكل قاعدة استثناء. بعضهم يقشر الجريدة كما تُقَشّر ثمرة الموز فيأخذ منها (اللب) ويرمي بالقشرة جانبا. ولب الجريدة عند شريحة من القراء صفحات الرياضة، ولبّها عند أباطرة المال صفحات الاقتصاد، وعند المثقفين الصعاليك صفحات الثقافة، ومن قراء الجريدة من هم في مواقع المسؤولية. يقرأها بعضهم لينفي ما نشر عن إدارته «جملة وتفصيلا»، ويقرأها قلة قليلة ليتلمسوا مواطن الضعف أو القصور في أداء الإدارة التي يديرون شؤونها، ومن القراء من لا يستطيع أن يقاوم الرغبة في الاطلاع على (طالعه) عند كتَّاب الأبراج في انتظار ذلك الذي يأتي ولا يأتي. يضاف إلى هؤلاء جميعا قراء العناوين، مع أن الكتاب لا يُقرأ، هذه الأيام، من عنوانه، فبعض العناوين مضللة، وخصوصا تلك التي يفبركها عشاق الإثارة الصحفية. لكل قارئ غايته من الجريدة، ولو نطقت صفحاتها لضحكت من تزاحم الأضداد، ولأهمية علاقة القارئ بالصحيفة اقترح أحد الإعلاميين الأمريكان أن تكون تلك العلاقة موضوع محاضرات تُلقى على طلاب المدارس والجامعات.