عبدالعزيز اليوسف

كيمياء الباطل.. ومعادلات الجدل

لا يمكن أن تكون هناك نتيجة صحيحة لمعادلة كيميائية إلا إذا كانت هناك معطيات مفهومة ومكونات معلومة وعناصر صحيحة، ولا يمكن باختلال أي تركيب أو اعتلال نسب الوصول إلى ناتج حقيقي ومنطق معقول، لا يمكن أن يكون الجدل في نقطة بين الحق والباطل بل إما جدلا في الحق أو جدلا في الباطل وكل ينتهي بنتيجة. الأطروحات المختلة التي تلفظها الأقلام المعطوبة هي معادلات كيميائية فكرية معتلة وناقصة لم يقصد بها الوصول إلى نتائج وحقائق وفوائد بل هي للعبث أكثر منه للمنفعة، ولا شك أن معطيات هؤلاء وعناصرهم فاسدة، لذلك فهم يتحدثون في هوائيات الفلسفة وفراغات بلا هدى ولا نور، فالنتيجة معروفة لاحقا هي الإخفاق، والسقوط، وإطالة المسائل، وتوسيع الشقاق، وتشعيب المسارات ثم لا محصلة ولا فائدة بل دوران في فضاء مفرغ. ما بدأ بباطل انتهى به وإن كان من جدل القول أو الفعليبذل الكثير من الكتّاب أو عامة الناس جهدهم في الذود عن آرائهم، وقناعاتهم المتنوعة، وفي طرح عناصر ومعطيات لمعادلات الجدل في الحق. أما الجانب الثاني فهم في فضاء مختلف لا يعرف الحق والحقيقة، لذلك فمن يبحث عن الحق والحقيقة سيجدها بحجته أو بدونها،  أما من يبحث عن الباطل وعناصره فهو مجادل لن يصل بعناصر باطله الى نتائج الحق. حكاية الجدلية في حياة الإنسان حكاية طويلة ومستمرة، فالكلام هو أسهل سلعة، وأرخص بضاعة تباع وتشترى سواء بالقول أو بالكتابة.. يقول الله تعالى (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) فأكثر شيء يفعله الإنسان ويجيده أو لا يجيده هو الجدل، الفرق هنا هو الحق والباطل.. يقول الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل. وجاء عن عمر بن عبدالعزيز  -رحمه الله- قوله: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل. ونتذكر هنا أيضا  قول الخطيب البغدادي عن أبي قلابة الذي قال: «لا تحدث الحديث من لا يعرفه، فإن من لا يعرفه يضُّرهُ ولا ينفعه». ولكن البعض من عقم فكره، وجهل نفسه يعرف الحق ويتجاهله بل ويعرض عنه فكم من الضرر أوقعه على نفسه وعلى من حوله. إن كيمياء الباطل التي تتفاعل عناصرها بمعادلات الجدل تسقط عقول الكثير ممن يقرأون، أو يكتبون، أو يسمع فيهم في فضاء اللامعرفة، ويسبح في لجج التكرار الجدلي.. بل ويلبس رداء القناعة المشقوقة، وثياب الفهم المغلوط فيقصي نفسه عن معالم الحق، وشواهد الحقيقة، ولمس اليقين، كثيرة هي الكتابات والمقطوعات والمقالات المتناثرة في عالم الصحف والانترنت تتضمن جدليات، وردودا، وتعليقات، وتعقيبات، ومشادات حول موضوعات مختلفة الحق فيها بين للعامي ومع ذلك تجد من يخالف وينافح عن باطله، بل ويحرص طرف الحق أن يبين حجته الدامغة لمن لا حجة له ولكن الطرف الآخر المثير في سبات طويل، وهذا خطأ كبير، فمن تنازل عن عقله بقناعته الواهية المتلبسة بسرابيل الباطل لن يجدي معه لا حجج، ولا براهين، ولا كلام،  ولن ينفع معه أسلوب الحوار أو الجدل؛ لأن ظنه السيئ يسبق عقله، وشعوره الضيق يغشى على سلامة قلبه لذا فالجدل معه ومحاورته لا نتيجة حقيقية لها. ختام القول: أرى أنه ليس من العقل مجادلة جاهل متحامل، أو أحمق مائل، أو مغرض غافل، أو سفيه،  فهؤلاء يزيدون في الغي ويقلبون الموازين نحو أحاديتهم وفهمهم فقط،  ويحركون أعينهم للنظر في اتجاه واحد،  ولم تكثر تلك الجدليات حول قضايا مختلفة وعدم الوصول إلى الحق عند البعض إلا بسبب دخولهم في تلك الصفات وخروجهم من عباءة الحكمة والرشد، فما بدأ بباطل انتهى به وإن كان من جدل القول أو الفعل، وسنرى العجب في قابل الأيام فتكون الحبة قبة، والقبة حبة، كله بسبب كيمياء الباطل المتفاعلة في معادلة الجدل للجدل.. والسؤال هنا هل سنتحول إلى الجدل ونترك العمل؟