د. إحسان بوحليقة

الشئون الاجتماعية أم المجتمع؟

تتبدل الحياة من حولنا، وكذلك المهام الملقاة على بعض وزاراتنا، فهل فسيبقى دور الشئون الاجتماعية مستقراً دون إضافة عند إدارة برامج الضمان الاجتماعي والجمعيات ودور الرعاية الاجتماعية ضمن أمور اجتماعية أخرى، أم أن الدور يتحول ليشمل المجتمع كله؟ لتعنى بالارتقاء بجودة حياة المجتمع ككل؟ هذا لا يتناقض مطلقاً مع الدور التقليدي لهذه الوزارة، وهو بصورة أساس يرتكز حول الفئات المحرومة والفقيرة ومتدنية الدخل وتلك التي ليس لها عائل والأيتام والأرامل وذوي الاعاقات، لكن دورها المتجدد يجعلها تهتم بهِم ضمن إطار أشمل لا ينحصر دوره في شرائح من المجتمع بل بالمجتمع برمته. وقد نقرّ أننا جميعاً بحاجة لتحسين جودة حياتنا، لكن كيف يتحقق ذلك؟لا يصبح المجتمع صحيحاً ومتكاتفاً بمجرد رعاية فقرائه، فكلنا فقراء للقبول والترابط والشعور الإيجابي وللاعتزاز بوطنيتنا ومواطنينا؛ كلنا بحاجة للشعور بالسعادة. بل أن الارتقاء بجودة الحياة يعني في نهاية المطاف الرضا عن الذات والتصالح مع المجتمع، هذا الشعور الإيجابي يعزز الاستقرار الاجتماعي للفرد ويدفعه ليكون أكثر إنتاجية. عملياً، ليس بوسعنا تسميتها «وزارة السعادة»، لكن بوسعنا أن نطلق عليها «وزارة المجتمع»؛ أي تلك التي تسعى لتقويته وتعضيده وتقوية لحمته الجامعة واستقطاب فئاته وشرائحه، والدفع بكل فرد من أفراد المجتمع ليكون أكثر رضا عن نفسه وعمن حوله. أدرك أن هذه المهمة تبدو غاية في الصعوبة، لكنها ستكون بمثابة العلامة النوعية الفارقة في التنمية الاجتماعية لينهض مجتمعنا الشاب لما يحيق به من تحديات.لا يصبح المجتمع صحيحاً ومتكاتفاً بمجرد رعاية فقرائه، فكلنا فقراء ليس بالضرورة للمال بل للقبول والترابط وللشعور بالانتماءلنأخذ بعض الأمثلة، نتحدث ليل نهار عن تفشي أمراض مزمنة كالسكري والضغط في مجتمعنا وفي عمر مبكر نسبياً. معروف أن هذه الأمراض مرتبطة بالعادات الغذائية وبتدني مستوى النشاط والحركة ولا سيما عند أطفالنا، فقد أدمن كثير منهم تناول السكريات والجلوس أمام أي شاشة. فمن سيحفزهم ويحفزنا لنمشي؟ هل هي وزارة الصحة أم التربية والتعليم أم منّ؟ قد يقول أحدهم ليس ضروريا أن نحشر الوزارات في هذه الأمور. أتفق، لكني أقول على الوزارات أن تبادر هي لـ«تحشر» أنفها، والسبب أننا سنكون أمام مآسٍ صحية ليس بوسع أي ميزانية مهما عظمت أن تغطيها، إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه. تصور أن تطلق «وزارة المجتمع» برنامجاً للتريض في الأحياء، وتتابعه حتى ينجح. حالياً، ليست هناك جهة مسئولة، ولذا تجد فراغاً، ومع إطلاق الوزارة لمبادرة وطنية للتريض ورصد المدربين والمواقع في طول البلاد وعرضها وتنظيم مسابقات وجوائز وبرامج للتحفيز ستجدنا جميعاً انخرطنا، وبدأنا نستفيد من تقاربنا الاجتماعي. نريد أن تضفي وزارة المجتمع حيوية جديدة على أكثر من صعيد في مجتمعنا، فمبادرة التريض تجعلنا نتخلص بالتدريج من السمنة فتتراجع نسب الأمراض المزمنة، وسيؤثر شعورنا باللياقة الجسمية والرشاقة للاعتداد بالذات والرغبة في التواصل إيجابياً مع الأخرين. لكن ليس بالتريض فقط يسعد المجتمع، ولنأخذ مثالا آخر. انظر حالياً للكثير من الفتيات المتزوجات اللاتي يجدن عملاً لكنهن لا يستطعن قبوله نتيجة عدم توفر مواصلات وحضانات ودور لرعاية الأطفال، وإن وجدت فبتكلفة عالية. مَنّ الجهاز الحكومي الذي سيقوم بتهيئة مواصلات للمرأة العاملة ودور الحضانة للرضع؟ وكذلك، قد يقول قائل: ولما على الحكومة أن تنفق على دور للحصانة، يكفيها عبء المدارس؟! إن توفير دور الحضانة في كل مكان كذلك من مهام «وزارة المجتمع»؛ إذ ليس من مصلحة المجتمع ألا يتلقى صغاره أفضل رعاية، كما أن ليس من مصلحة المجتمع ألا تعمل نساؤه! وهكذا فإطلاق مبادرة ذكية لرعاية الأطفال ستحقق كلا الهدفين، وسيجني المجتمع ثمار عمل المرأة وهي مطمئنة انها لم تقصر بحق صغارها.