حسن السبع

خذونا على محمل الجد !

في وثيقة اليونسكو الخاصة باقتراح (21 مارس) يومًا عالميًا للشعر فقرة هذا نصها: (يوجد اتجاه لدى وسائل الإعلام والجمهور العريض إلى عدم أخذ الشاعر على محمل الجد).توقفت عند هذه الفقرة طويلا، ثم رأيت أن يكون عنوان هذا المقال «خذونا على محمل الجد».   ومع أن المناسبة لم تُؤخذ على محمل الجد إعلاميًا وجماهيريًا، فقد احتفلت بعض الأوساط الثقافية العربية والعالمية في 21 مارس الفائت باليوم العالمي للشعر، لم تكتف المنطقة الشرقية بيوم واحد، فخصصت للمناسبة ثلاثة أيام، من أجمل إنجازات الأيام الثلاثة، إضافة إلى النشاطات الثقافية والفنية المتنوعة، أنها وحدّت -ولو بشكل مؤقت- جهود ثلاث مؤسسات ثقافية هي: النادي الأدبي، وجمعية الثقافة والفنون، وملتقى الوعد الثقافي، ومعنى ذلك أن العلاقة بين المؤسسات الثلاث أثناء هذه المناسبة تكاملية، وليست تنافسية، وإن كان للتنافس النزيه إيجابياته. كثيرٌ من الأشياء الجميلة في هذا العالم تحققت على يد رومانسيين حالمين.النشاط المسرحي والتشكيلي والموسيقي الذي صاحب المناسبة لم يخرج عن أهداف اليوم العالمي للشعر المعلنة من قبل (اليونسكو)، وهي توثيق الصلة بين الشعر وبقية الفنون المختلفة، وتلك صلة إبداعية قديمة تجسدت في القصائد التي كتبت بإيحاء تشكيلي، وفي اللوحات التي رسمت بإيحاء شعري، يقال: إن الشعر صورة ناطقة، والتصوير شعر صامت، ولا حاجة للتأكيد على علاقة الشعر بالمسرح والموسيقى.أترك الحديث عن المشهد الشعري الذي واكب تلك المناسبة للنقاد، بعد أن أغلق توماس غراي باب الملاحظات بقوله: «حتى الشعر الرديء حَسَنٌ كأفضل الملاحظات التي قيلت فيه، أو أفضل منها»! ما يعنيني هنا هو تأمل دلالات المناسبة، وتأملها يثير السؤال التالي: لماذا لا يأخذ الإعلام والجمهور العريض الشعراءَ على محمل الجد؟ هل ذلك لأنهم رومانسيون حالمون؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن كثيرا من الأشياء الجميلة في هذا العالم قد تحققت على يد رومانسيين حالمين، وفي حمى الفوضى المحيطة بنا؛ فوضى الصراعات المبثوثة حية على الهواء، أقول: مرحبا بالرومانسية مأوى واستراحة قصيرة تنسينا، ولو إلى حين، الأجواء الملبدة بدخان المعارك العبثية، ومرحبًا بالرومانسية إذا كانت محاولة لإيقاظ الضمائر، ومرحبا بها إذا كانت وسيلة للبحث عن معنى للوجود، أو رغبة في السمو على الواقع، ومرحبا بها إذا كانت صرخة ضد التلاشي والانقراض، وأهلا بها إذا استطاعت أن تحفظ للحياة على هذه الأرض توازنها. إذا كانت الرومانسية محاولة لتكريس الحب، فما أحوجنا إلى الحب الذي ضللنا الطريق إليه. الحب ليس بمعناه المحدود، بل بالمعنى الذي لا يعرف الحدود. الحب الذي يعلمنا احتضان العالم بما فيه من تنوع واختلاف. الحب الذي يمنحنا أجنحة للتحليق خارج دائرة الهويات الخانقة، وكهوف العزلة، ووصاية الموتى. وبعد، هذه ليست دعوة إلى إلغاء العقل، وإدارة حياتنا بطريقة عاطفية، بل هي دعوة إلى تحقيق شيء من التوازن، فلا يصبح التفكير النفعي بوصلتنا الوحيدة، ولا التفكير العاطفي مرفأنا الأخير. وهي دعوة للحفاظ على ما تبقى من قيم إنسانية جميلة، كي لا نغدو أداة طيعة للمنفعة العابرة، وللحسابات التي تلغي المشاعر الإنسانية، وحتى لا يصبح كل شيء برسم البيع ابتداءً من الفنون وانتهاءً بالضمائر. قد لا يستطيع الشعر وبقية الفنون الجميلة تغيير العالم. لكنها جميعا تساهم في  إضفاء معنى على وجودنا، وإبقاء الحياة على هذه الأرض محتملة.