د. إحسان بوحليقة

لوحات البيانات الضخمة .. كيف تُرسم ؟

إن كان من تخلف معلوماتي يعيشه مجتمعنا، فلا يتعلق بالأجهزة والمعدات من حواسيب وخوادم، ولا من حيث البنية التحتية، ولا أقول إن ما لدينا هو الأفضل، لكن ما لدينا يعتبر من بين الأفضل في فئتنا من الدول النامية. أما التخلف فهو في تعاملنا مع البيانات إجمالاً، وقد كتبت عن هذا الأمر في هذا الحيز مراراً، ولا أكرر، لكن أقول إن البيانات هي الثروة الحقيقية، وليست الأجهزة التي تبوبها وتعالجها، فمنذ ما يزيد عن عقدٍ من الزمن تحولت الأجهزة الحوسبية إلى سلع مبذولة تعرض على قوارع الطريق بأسعار بخسة. أذكر كيف أن أول حاسب شخصي اقتنيته من نوع «أبل2» كانت ذاكرته 64ك، وقد اشتكيت حينها لأستاذي من بطء الجهاز، فقال: ماذا كنت ستقول لو كنت من جيلي عندما كانت هذه الذاكرة تشغل كمبيوتر ضخم! الآن. انظر حولك في أقرب محل لبيع الكمبيوترات ومستلزماتها فتجد حواسيب حجرية (laptop) بقوة معالجة خرافية وذاكرة ذات سعة من الصعب تصورها، وأقراص صلبة سعتها تقاس بـ «التيرا»!البيانات هي الثروة الحقيقية، وقد انتشرت مؤخراً تعليقات تستهين بتخوف البعض منا من إفشاء بياناته  إذاً، هناك وفرة في الحواسيب وطاقتها المعالجية، مقرونة برخص نسبي مما يجعلها في المتناول، وليس أدل على ذلك ما نشاهد من انتشارها في كل يد، وليس فقط في كل بيت. وأعود لأقول إن الثروة الحقيقية هي البيانات؛ فمنها يمكن استخراج قيمة مضافة؛ وقد انتشرت مؤخراً بعض التعليقات تستهين بتخوف البعض منا من إفشاء بياناته الشخصية! ولا يجدر بأي منا الاستهانة، والسبب أن تخوف أي شخص منا على انتشار قوائم معارفه وعلاقاته الشخصية والمهنية تخوف في محله، فهي تمثل أسراره وخصوصياته، وينطبق الأمر ذاته على الصور ومقاطع الفيديو، والتي تعكس اهتماماته. هذا جانب لا تجب الاستهانة به، لكن هناك جانب أعم، وهو بيانات ملايين البشر، وشبكات معارف كل منهم، وأنماط الاتصال، والاهتمامات والتوجهات والتحيزات. تطبيقات «التواصل الاجتماعي» قائمة على أساس واحد وهو «الشبكة» والتشابك، وتطوره عبر الزمن أمر يفضي للكثير من الاستنتاجات. وفي وقتنا الراهن، فعلم البيانات يرتكز إلى دراسة خصائص البيانات باعتبار أنها أساس المعرفة، فالبيانات المتناثرة عن شخص أو حتى أشخاص قد لا تحمل أسراراً خطيرة على الأمن والسلم الدوليين، لكن توليف البيانات ومضاهاتها لآلاف البشر يعني الشيء الكثير؛ تصور لو أن أحداً تمكن من جمع وتحليل بيانات التراسل على مستوى الحي حيث تسكن، ليعرف تفاصيل حياتية لا تمثل لأي منا أهمية كبيرة؛ مثل من أين تشتري المقاضي، وأين تكوي ملابسك، وأي مقهى يرتاد سكان الحي، الخ. بيانات من هذا النوع يمكن أن تكون ثروة لوضع استراتيجية تسويق أو افتتاح محلات جديدة لمنافسة ما هو قائم. الآن، بناء لوحة ضخمة من قطع وشظايا بيانات متناثرة هنا وهناك هو علم البيانات الضخمة. والبيانات الضخمة متعددة المصادر والخصائص، والجهد هو قولبتها لتصبح سنداً لاتخاذ القرار. وهناك من يحرص أن يبني لوحات «فسيفسائية» ضخمة من نثار بياناتنا، كل ما هو مطلوب منا كأفراد وكمجتمع أن نتعامل بوعي مع الأمر، وليس أكثر.