محمد الحرز

المثقف العربي: لا دور فاعل ولا استقلال

للأسف طوفان التغيرات التي عصفت بالعالم العربي منذ دخوله الألفية الثالثة، وما قبله أيضا، لكن بوتيرة أخف، لم يترك مجالا للحديث عن دور فاعل للمثقف، سواء على مستوى الاجتماع أو الثقافة أو الفكر أو حتى التربية والسياسة. الوضع مزرٍ حد الكارثة، ومن يلتفت وينظر إلى الوراء قليلا، يشعر بالفداحة التي تهز الإنسان من العمق، ففي حين كان عصر النهضة في القرن التاسع عشر  قد أنتج لنا مثقفين كباراً كان سلوكهم وخطابهم له الأثر الواضح مثلما هو الحال مع الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وطه حسين وأحمد أمين، وقبلهم خير الدين التونسي، حيث كان لهؤلاء اجتهادات في السياسة والدين والاجتماع، على الرغم من الانتكاسة والنكوص الذي حصل لاحقا، إلا أن تلك الحقبة قد تركت بصيصا من الأمل للخروج بالعالم العربي من مآزقه العديدة، التي على رأسها مأزق الدولة والاستبداد والحريات. الآن لا مثقف ولا اجتهادات تنويرية، بل ارتداد وتخلف تأتينا رياحه من الماضي، بل الماضي السحيق. فكيف والحالة تلك، يمكننا الحديث عن دور للمثقف ؟!لذلك من هذا المنطلق دائما ما كنت أتساءل: بأي معنى يكون المثقف مستقلا، خصوصا إذا ما أدركنا أن في تاريخنا الإسلامي لم يكن يفهم الاستقلال إلا في إطاره الثقافي والفكري، بينما لو تأملنا التاريخ الغربي الحديث، الذي نشأ في ثقافته مصطلح المثقف ونما وترعرع فيه، كان الغاية والهدف منه، وحتى وظيفته ترتكز بالأساس على الأثر الذي يتركه هذا المثقف أو ذاك على قضايا الشأن العام، المرتبطة بالأساس بقضايا تمس الشأن السياسي والدولة والحريات والديمقراطية. هذا ما أفهمه من خلال تاريخ الكلمة في كلا المجالين الإسلامي والغربي؛ لذلك أنتم تلاحظون هذه المفارقة بين استقلال فكري حدث في زمن يرجع تاريخه إلى العصور الوسطى من عمر الحضارة الإسلامية، وذلك عند بعض المفكرين والأدباء والشعراء –ولا أريد هنا أن أسمي أو أضرب أمثلة، حتى لا يطول المقام بنا هنا– وبين خطاب ثقافي تشكل على يد أبرز المثقفين الغربيين في أحداث القرن التاسع عشر، وحتى ما قبل ذلك على يد مثقفي عصر الأنوار، حيث كانت لهم اليد الطولى في تغيير مجرى الأحداث. لذلك وفق نظرتي تلك، أنا بدوري أسأل هنا: هل يوجد لدينا تاريخ نضالي للمثقفين ضد الظلم وضد الجهل وضد الفقر...إلخ، في تاريخنا العربي القريب، حتى يمكن الحديث عن وجود مثقف مستقل ؟! هذا في ظني العجب العجاب !!.