الأحساء
(الأحساء أَنَأْخُذُهُ رمزاً ووسيلة من وسائل الحياة والعطاء لنا نحن أبناء الجزيرة العربية، أو أبناء نجد بالذات؟ والأحساء أَهي أُمُّنا الرؤوم التي أرضعتنا من ثديها أسخى الرضاعة؟ هي في تقديري هكذا، فالبدوي القديم قال عنها:يَمُرُّون بالدَّهنا خِفافاً عيابُهُمْويَرْجِعْنَ من "دارِين" بُجرَ الحقائبِوهنا ألتقي والبدوي في طريق واحد وعلى جادة واحدة، فمطاياه التي قال عنها في الزمن البعيد لا طريق تركبه غير هذا الطريق هي مطايانا التي تعاقبَتْ على إثره جيلاً بعد جيل، ففي ذكرى طفولتي كلّما صرخْتُ من ألم الجوع ناولتني أمي عطاءَ باسقات الطلع الواقفات على تراب الأحساء صفوفاً يُحَيِّيْنَ كل جائع أو ضيف جاء عابر سبيل من مئات السنين أو آلافها، هذا جزء من عطاء الأحساء لنا).(وظنّي أو يقيني أن في أعماق التربة التي تناثرت على وجهها عماتنا النخلات في الأحساء بركة وحكمة وقدراً لم تفلس معه هذه التربة ولم ينضب عطاؤها ولم تُجفّفه رياح الزمن.العطاء الذي أودعته لك في جيبي تَمُدُّ يدك إليه بسهولة فتناله عطاءً غير ممنونظلت كريمة، فجداول المياه التي أسْقَت ظمأنا بسقياها الكريمات في أرضه، منحت الإنسان الخاوية عيابه عبر أجيال طويلة بدانة العياب، وحين تقلبت بالإنسان العربي وغير العربي الظروف ومطالب الحياة وضروراتها في عصر غزو الفضاء ومفاجآت هذه الحضارة المعاصرة، ماذا عن الأحساء؟ ماذا عن كرمها وعطائها؟ لا أحد ملك الجواب غير فمها الكريم، وقفت على منبر الحياة وقالت للإنسان تعال إليّ، فعندي وفي أعماقي ما يسد جوعك، فالعطاء الذي أودعته لك في جيبي تَمُدُّ يدك إليه بسهولة فتناله عطاءً غير ممنون، ليس هذا هو العطاء وحده، هذا عطاء الضرورات والحاجات في الأزمنة المختلفة، لكن عطائي اليوم تبدَّل بتبدُّل الظروف.أخرجت لنا أرض الأحساء من أحشائها عن أنهر حبستها في جوفها ملايين السنين أو بلايينها ثم قالت: جاء الوقت الذي أُذِنَ لي فيه أن ألِدَ أخطر مولود سكن في رحمي، هذه هي الأحساء الرمز لما بين رمال الدهناء ومياه الخليج، والرموز عادة لا تطفح سريرتها بالسر إلا في حينه وفي وقته المؤقت له، وهذا ما حصل في الأحساء، هذه هي الأحساء في المادة، والأحساء الروح والأدب والفكر والقلق والتفجر التاريخي في قلب الإنسان).(من يقرأ أدب الأحساء وتاريخ الأحساء وثورة الأحساء النفسية والعقلية والروحية على مر العصور، يدرك أن الحريق المشتعل في بطن أرضه له أثر كبير على السطح، نعم صديقي: ليس إنساناً من ظل حجراً يمشي على حجر، وتراباً يمشي على تراب، فالإنسان إذا تتفجر داخل نفسه قيم تصْعَدُ به من ترابية الأرض وماديتها إلى آفاق بعيدة في اتجاه الأسمى والأكمل فليس بحي وليس بإنسان وليس بِتَقِيٍّ من خان الأمانة التي حملها معه وجاء بها من هناك من أجل الممارسة والمحافظة عليها والعودة بها معه مصونة من التبدد والضياع).هذه مقتطفات من رسالة وصلتني من الشيخ فهد المبارك، وهي عبارة عن رسالة أرسلها الشيخ الأديب الكبير عبدالعزيز التويجري «رحمه الله » للأديب راشد المبارك!.تستحق الأحساء.