ما بعد «موهبة»
في بلدنا، نحن بحاجة ليس فقط للابداع بل لتوظيفه حتى يولد مشاريع اقتصادية تضيف فرص عمل واستثمار. لكن ما الآلية لتحقيق ذلك؟ يصبح السؤال أكثر إلحاحاً عندما ندرك اننا نمتلك كل المكونات لكنها غير متكاملة لتحدث التطور المطلوب. والحديث عن رعاية المشاريع الناشئة (start-ups) والصغيرة قد طال، وأصبح من الضرورة تسريع استثمار الجهود المتحفزة بدعمها بكل الوسائل والطرق ودون إضاعة الوقت وتفويت الفرصة. لنستذكر أن أخذنا زمام المبادرة في السبعينيات بقوة ومن قبل أعلى سلطة صنع لنا –بتوقيق الله أولاً وقبل كل شيء- قطاعاً صناعياً تحويلياً هو من بين الأهم حالياً في منطقتنا والأعلى نمواً؛ حيث أوجدت منظومة متكاملة: الهيئة الملكية ومعها بنية تحتية صناعية متقدمة، سابك، صندوق التنمية الصناعية، قانون لحماية المنتجات الوطنية وإعفاء مستلزمات الانتاج من الرسوم الجمركية وتفضيل المنتج المحلي ثم بعد ذلك برنامج لتمويل الصادرات، واستقطبت استثمارات تقدر بنحو 650 مليار ريال، يعمل بها نحو 700 ألف شخص. حالياً، ندرك جميعاً أن ثروة بلادنا الحقيقية هي شبابها؛ فهم بناة المستقبل سواء كموارد بشرية عاملة في منشآت الاقتصاد الوطني أو كمبدعين ورياديين وبالتالي أصحاب أعمال. ما أود قوله هو أن المبادرة العملاقة التي أطلقتها الحكومة في السبعينيات، أي قبل نيف وأربعين عاماً كانت ملائمة لتلك الحقبة والدليل تأثيرها الايجابي الواضح في تنويع قطاع الصناعة السعودي، وفي وقتنا الراهن نحن بحاجة لمبادرة عملاقة ملائمة لمرحلتنا الحالية من التنمية والنمو؛ مبادرة لاستيعاب اقتصادنا للابداع والاختراع وتقنيات النانو والبيانات الضخمة والاقتصاد المعرفي القائم في الأساس على ما يبتدعه العقل البشري وليس ما تتفتق عنه مكنونات الأرض.الموهبة دون اهتمام من أهلها أشبه ما تكون بالنبتة الصغيرة دون رعاية أو سقياقبل نحو 17 عاماً تأسست «موهبة»، التي قال الملك عبدالله بن عبدالعزيز –يرعاه الله- عند إطلاقها: "إن الموهبة دون اهتمام من أهلها أشبه ما تكون بالنبتة الصغيرة دون رعاية أو سقيا، ولا يقبل الدين ولا يرضى العقل أن نهملها أو نتجاهلها، لذلك فإن مهمتنا جميعاً أن نرعى غرسنا ونزيد اهتمامنا ليشتد عوده صلباً، وتورق أغصانه ظلاً يُستظل به بعد الله لمستقبل نحن في أشد الحاجة إليه، في عصر الإبداع وصقل الموهبة وتجسيدها على الواقع خدمة للدين والوطن»، وخلال هذه الفترة تمكنت مؤسسة «موهبة» من تركيز الضوء على شريحة واعدة من مجتمعنا. نحن بحاجة لتحويل الابداع والاختراع والروح الريادية إلى قيمة اقتصادية، وهذا أمر يتجاوز رؤية ومهمة «موهبة»، لكنه لا يتجاوز –بأي حال- اهتمام مؤسس «موهبة» او احتياجات بلادنا، وهو يتكامل مع ما سعت له «موهبة» منذ البداية. وقد يقول قائل إن المبادرة الحكومية «بادر» تؤدي الغرض، وهي ضرورية لكنها غير كافية، وما نتحدث عنه هنا التأسيس للمعرفة كرافد ينوع اقتصادنا الوطني بتوفير منظومة متكاملة، وهذا بحاجة لإطلاق مبادرة عملاقة للصناعات المعرفية على تفاوتها لا تقل اكتمالاً وعنفواناً عما بذلته المملكة قبل نيف وأربعين عاماً لنهوض الصناعة التحويلية.