التغلّب الثقافي.. والمصطلحات
لن تختلف وجهات الباحثين كثيرا إذا أرادوا تحرير أكبر المفاهيم أثرا في حياتنا مثل مفهوم: الحُرية، الحقوق، الإنساني وغير الإنساني، العدالة، التمثيل الشعبي، الديمقراطية، المساواة... وغيرها. فالمعاجم العالمية، ودوائر المعارف الكُبرى، ومقررات المؤتمرات الدولية متاحة ومُحددة ومشتهرة.إن هذه الخطوة التي يقوم بها الباحث بشكل شِبه آلي تتحكم في سير الأمور على وجه الأرض بشكل مذهل!.بدأت القِصّة حين بادرت دول أوروبا الغربية -التي تراوح بين العلمانية المُتطرفة والإلحاد- إلى سَنّ القوانين، وأخذت زِمام المبادرة لصياغة الفِكر والقانون وتسويقه على أنه خُلاصة تجارب البشر، وأنه مِسْطرة يُقاس بها تقدم الأمم (حتى قبل أن يولد فرانسيس فوكوياما)، وساعدها في ذلك تقدمها العِلمي والمؤسسي المذهل، وخروجها منتصرة في الحرب العالمية الأخيرة. ولم تراع بقية الدول أن تلك المفاهيم تكونت بناءً على هوية تلك الدول المحدودة وتجاربها وثاراتها وتخوفاتها وحدها. وأسهم الاحتلال المباشر، أو الحروب الثقافية والعقدية الناعمة، ومعهما التّوْق للحاق بالبلدان المتقدمة ماديا في ترويج تلك المفاهيم وترسيخها رغم وجود فروق هائلة بين الثقافات والعقائد وطبيعة التحديات.وانتهت القصة إلى أن أضحت تلك التحريرات مصطلحا إنسانيا، فمن يعارضها يعارض «المستقر»، ويخالف الفِكر الإنساني، وتكوّن ما نراه من اختطاف فِكري، واحتلال ثقافي، واستلاب توعوي تصطلي بناره الثقافات التي لم تشترك في هويتها مع المنتصرين في الحرب العالمية الأخيرة، ولم تخض نفس التجارب، وليس لديها نفس التحديات.لماذا «تفرض» مؤسسات دولية وقوى مُتسلطة فِكرها وتتحدث بوصفها وصية على المفاهيم الإنسانيةومن نتاج ذلك نجد أن بعض المثقفين في بلداننا ينادون -بسطحية مُفرِطة– بحتمية تكرار السيناريو نفسه، فالمؤسسة الحاكمة إقطاعية دون جدال عندهم، والجهات الشرعية تقوم بدور الكنيسة في عصر الاقطاع... هكذا دون تمحيص أو حتى مجرد تفكير، ولم يبق إلا أن يغيّروا أسماء المُدُن لتناسب ما دَرَسوا أو ما صدِّرَ إليهم!.مَن قال إن تجارب أوروبا حتمية للبشر كلهم؟وأي منطق مستقيم أو عقل سليم يقبل أن تُصادر الثقافات الأخرى ونتاج الفكر الإنساني في بقية أرباع الأرض (فضلا عن دِين الله الحق) فلا يُسمح لها بصياغة قوانين أو اتفاقيات دولية إلا وفق فِكر متغلب واحد لا يُرحَّبُ بغيره إلا في معارض الفلكلور أو دراسات التاريخ؟!لماذا «تفرض» مؤسسات دولية وقوى مُتسلطة فِكرها وتتحدث بوصفها وصية على المفاهيم الإنسانية السامية؟.إن من يتأمّل -بنظرة معتدلة رصينة- يَجِدُ أنَّ كل تلك القوانين والمفاهيم مرتكزة على «عقيدة»، وتمارس ما بعد الدور العقدي وهو «الولاء والبراء» والتجريم أو التخطئة... الخفمَن الذي أحلّه لهم وحرّمه على بقية البشر؟أهو كتاب من عند الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه كما عند المسلمين؟ومَن يقبل من هؤلاء العقائديين المتطرفين الذين يجرّمون من يخالف تجاربهم وعقائدهم أن يتحدثوا باسم الإنسانية أو العدالة أو الحقوق وهم لم يرضوا بمجرد التعايش مع مفاهيم مختلفة؟.