تغيب الأسباب وتضيع الأهداف
في التنزيل الحكيم (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) ومما ورد في لسان العرب أن السبب: هو الحبل، لأنه يوصل بين طرفين، (وقال خالدُ بنُ جَنَبَة: السَّبَب من الحِبال القويُّ الطويلُ. قال: ولا يُدعى الحبلُ سَبباً حتى يُصْعَد به، ويُنْحَدَرَ به. وفي الحديث: كلُّ سببٍ ونَسَبٍ يَنْقَطِعُ إِلاّ سَبَبي ونَسَبي؛ النَّسَبُ بالولادةِ، والسَّبَبُ بالزواج، وهو من السَّبَبِ، وهو الحَبْل الذي يُتَوَصَّل به إِلى الماءِ، ثم اسْتُعِير لكلّ ما يُتوصَّل به إِلى شيءٍ، كقوله تعالى: وتقَطَّعَتْ بهِمُ الأَسبابُ، أَي الوُصَل والمَوَدَّاتُ. وفي حديث عُقْبَة، رضي اللّه عنه: وإِن كان رزْقُه في الأَسباب، أَي في طُرُقِ السماءِ وأَبوابها. وفي حديث عَوْفِ بن مالك، رضي اللّه عنه: أَنه رأَى في المنامِ كأَنَّ سَبباً دُلِّيَ من السماءِ، أَي حَبْلاً. وقيل: لا يُسَمَّى الحبلُ سبباً حتى يكونَ طَرَفُه مُعَلَّقاً بالسَّقْفِ أَو نحوِه). لكن هذا المصطلح ما لبث أن أصبح منطلقا لكل فعل وما ينتج عنه من رد فعل، والفعل أساسا له أسبابه، وهذه الأسباب تتفاوت من حيث القوة والضعف، لكن ما يترتب عليها من أفعال، وما تفرزه من نتائج ليس إلا حصيلة وعي المرء وخلقه، كما أنها تجسد تعبير الإنسان عن مشاعره حيال هذا الفعل.كثيراً ما تصادفنا أفعال تكون نتائجها كارثية، مع أن أسبابها ضعيفةوكثيرا ما تصادفنا أفعال تكون نتائجها كارثية، مع أن أسبابها ضعيفة، ولو أمعن النظر فيها مرتكبها لوجدها أتفه من أن تؤدي إلى تلك النتائج الكارثية، ولعل هذا هو ما دفع أحدهم للقول: (.. ومعظم النار من مستصغر الشرر). وبالمقابل هناك أسباب كبيرة يمكن أن تؤدي أفعالها إلى نتائج هي أكبر من أن توصف بالكارثية، لكنها تمر بسلام، ودون أن ينال منها أحد ضررا يذكر، و(السبب) في الحالتين هو طريقة التعامل مع الأفعال الناتجة عن تلك الأسباب، فبعض الناس تبلغ بهم الحكمة حد التحكم في ردود الأفعال، بحكم الوعي والتقدير السليم للموقف، بينما بعض الناس تبلغ بهم الحماقة حد فقدان السيطرة على المشاعر وعدم التحكم في الأقوال والأفعال، وهذا هو الذي يفرز العداوات التي تفرز بدورها أحداثا الله وحده العالم بما سينجم عنها من تدهور العلاقات بين الطرفين، وهذا ما يحدث بين الناس، سواء على صعيد العلاقات الأسرية أو الاجتماعية أو الوطنية، أو على مستوى العلاقات بين الدول والتكتلات الاقتصادية والسياسية الكبرى في العالم، وسواء كان (السبب) ضعيفا أو قويا، فإن ما يشغل البال هو طريقة التعامل مع الفعل الناتج عن ذلك (السبب)، وكذلك رد الفعل الناتج عن ذلك الفعل. والحكماء هم وحدهم القادرون على تجاوز الأسباب الضعيفة، والتحكم في أفعالها وردود أفعالها، وليست المشكلة في الحكماء، بل في الحمقى الذين يقودون أسرهم وربما مجتمعاتهم وربما دولهم وربما العالم، إلى هاوية الخلافات والتطاحن والحروب المعلنة وغير المعلنة، وجميعها تؤدي إلى الكوارث التي لا تحمد عقباها.البحث عن السبب والتعامل معه بعقلانية وحكمة، هو الحصانة الحقيقية للإنسان من الوقوع في خطيئة العداوات المقيتة، وما تجلبه من أضرار على المستويين الخاص والعام. أما عندما تغيب الأسباب وتسوء الأفعال، فإن النتائج الإيجابية تضيع لتحل محلها نتائج سلبية يعاني منها الجميع، وأكثر المتضررين منها هم من يرتكبونها بعيدا عن رقابة الضمير، وحكمة العقل، ولعل هذا التفسير الاجتهادي للأسباب وأفعالها وكذلك ردود هذه الأفعال، يذكرنا بقول القائل:يا واثِقاً مِن عُمرِهِ بِشَبيبَةٍ وَثِقَت يَداكَ بِأَضعَفِ الأَسبابِضَيَّعتَ ما يُجدي عَلَيكَ بَقاؤُهُ وَحَفِظتَ ماهُوَ مُؤذِنٌ بِذَهابِالمالُ يُضبَطُ في يَديكَ حِسابُهُ وَالعُمرُ تُنفِقُهُ بِغَيرِ حِسابِ