د. إحسان بوحليقة

الادعاء على «حيلهم بينهم»

قليلة هي المجتمعات التي تحظى بتنوع اقتصادي وفكري واجتماعي، ومنها بلدنا. وجميل أن نستفيد من تلك الميزة ونعززها، فلدينا مشروع بدأه الملك المؤسس بأن نصنع دولة قوية سيدة بكل أبنائها وبناتها، حاضرتها وباديتها. وبوسع أحدٌ أن يضع إشارات ونياشين ليمنح أحداً منا ميزة لتقويته أو مخمصة لانتقاصه، لكن ليس بوسع ذلك لأحد القول إنه يعضد ويساند ويقوي بناء وطننا الشامخ. ومازلت أرى أن مركز الحوار الوطني يهمس همساً، وكمواطن أفتقد صوته الجهوري وخصوصاً في معترك الأحداث الجاثمة على صدر منطقتنا العربية الغنية بكل شيء لكن اشتغل فيها داء التفتيت والتكاره. ولا نريد لهذا أن ينفذ لوطننا الغالي، بل علينا السعي لتحصينه ليكون أنموذجاً ليس فقط في التعايش بل كذلك في أن يكون مصدراً لدفع منطقتنا العربية قدماً تحضراً وإضافةً للبشرية والانسانية. ولا أجد مؤسسة وطنية أنسب من مركز الحوار الوطني ليذكر بدعائم قيام دولتنا الفتية، وأن ليس من حق أحد الافتئات على الوطن بأي طريقة أو سبيل. نسمع النقاشات الجدلية التي شغلت الناس بما في ذلك برنامج الثامنة مع داود، ونتابع جميعاً غثاء اليوتيوب وما فيه من تجاوز على الأفراد أو مكونات للمجتمع، وهذا أمر غير مقبول بحكم النظام الأساسي للحكم، الذي وضع لصيانة اللحمة والوحدة الوطنية موضعاً عالياً وقدرها قدراً رفيعاً.التحدي أمامنا أن نرتقي صعاب التنمية السؤال: هل تجاوز أي منا على لحمة المجتمع أو الانتقاص منه أو من أي من مكوناته أمر يجب أن يمرّ بلا حساب؟ بالتأكيد لا. والسؤال المرادف: مهمة من تحريك الادعاء على مَن يتجاوز باليد أو اللسان أو التغريد أو التصوير الثابت أو المتحرك؟ إن كان شخصياً فتلك مهمة من يدعي ان خطأ وقع عليه، لكن إن كان عاماً فما العمل؟ بالقطع يجب ألا يترك الادعاء العام الفرصة تفوت قبل أن يقف بالمرصاد لمن يخالف نصوصا عدلية ويتجاوز مصالح الوطن العليا. وبالتأكيد، لا يسمح لأحد أن يطلق إهانات عامة من منطق ان إهانة شخص واحد كطعنه في شرفه أو عرضه فذلك قذف، فإن كان الأمر ينطوي على إهانة ثلة من الأشخاص فالاهانة أعمق وأعنف، وتتضاعف مع تكاثر العدد. لعل من الملائم أن نحرص في الأوقات العصيبة التي يمرّ بها عالمنا العربي على تقديم مصلحة الوطن على كل مصلحة، ومن ذلك إعفاء المجتمع مما لا طائل منه ولا منفعة سوى التشتيت عن البناء والتنمية والانتاج. فالتحدي الحقيقي أمام كل منا أن يساهم في إنتاج نافع للوطن ولمواطنيه، كل مواطنيه. التحدي أمامنا أن نرتقي صعاب التنمية ونتجاوز مزالق النمو والتقدم الاقتصادي والتقني مع الحفاظ على قيمنا الاسلامية السمحة وإرثنا العربي، وما دام في ذهن كل منا أن الأجيال السابقة قد كانت في المقدمة فقادت البشرية بإسهاماتها، فعلينا السعي لاستعادة ذلك بقدح الذهن والكدح والعمل، والاستقواء ببعضنا بعضنا وأن نتخلى عن استراتيجية «حيلهم بينهم».