سكينة المشيخص

لماذا نخاف النقد؟

النقد في جميع أحواله وأشكاله وسيلة نموذجية لتطوير مستويات النشاط البشري في مختلف مجالات الحياة، وكلنا يحتاج لممارسة النقد وقبوله، لأنه تيرمومتر لمدى نجاحنا أو فشلنا، وهو على عكس ما يمكن أن يساء الظن به كمظهر هجومي أو انتقاصي، ذلك يجعله بابا لاختلاق مشكلات تعصف بالعلاقات الإنسانية، أو تدمر الذات، حين ننتقد أنفسنا، أو ينتقدنا أحد على تصرف أو سلوك لا ينسجم مع مقتضيات الحال الإنساني أو الاجتماعي أو الفعل في أي اتجاه من اتجاهات الحياة.الإنسان أسوأ ناقد لنفسه، ولذلك ينبغي ألا نسرف في إساءة الظن بنتائج أعمالنا ومنجزاتناالإنسان أسوأ ناقد لنفسه، ولذلك ينبغي ألا نسرف في إساءة الظن بنتائج أعمالنا ومنجزاتنا، فحين نبادر الى عمل وننفذه فمن المستحيل أن يخلو من وجهة نظر سلبية، لأنه لا يمكن ابتغاء الكمال في أمر، ولذلك يظل النقد عملا ديناميا يكسبنا فضيلة التطور والارتقاء الفكري والعملي، ويمنحنا طاقة أكثر إيجابية لبحث أوجه القصور والخلل فيما نفعل، وفي نفس الوقت لا يوجد أحد مبرأ من العيب أو النقص أو الخطأ الذي يستوجب النقد وإبداء الملاحظة السلبية، وعليه فمن الضروري أن تتطور ثقافة النقد، وأن تصبح مشروعا فكريا يطال جميع أركان النظام الاجتماعي للمجتمع.ما يغيّب النقد من سلوكنا العام، أو يجعله باردا وفاترا، هو حساسيته مع نمطنا الاجتماعي الذي يتحاشى إبداء أي رأي يبدو سلبيا تجاه الأفعال والتصرفات والمنجزات، ونحن في الواقع بحاجة الى ممارسة النقد باعتباره أحد أدوات التطور الفردي والاجتماعي الأكثر أهمية، لأنه لا يمكن لفرد أن يمضي في حياته وكأنه لا يخطئ أو يقدم عملا به خلل، ما يجعل قبوله صعبا ويحتاج الى روح موضوعية تخضع أي موضوع للنقد، بحثا عن ظهور وانتاج أفضل، ويحظى بقبول أكبر مما لو لم يسمح بتوجيه النقد له.يبدو النقد من الناحية الاصطلاحية أكثر انحيازا للشأن الثقافي، وربما كان ذلك منشأه، ولكنه ينبسط على جميع مجالات الحياة، ومن عدم الإنصاف قصره على الثقافة فقط، وإن كانت بحاجة اليه أكثر لأنها التي تمنح المجتمعات الإطار الكلي لهويتها وتحديد نظامها وصياغة اتجاهاتها ومتغيراتها، وإذا غاب في الشأن الثقافي بالضرورة أن يغيب عن بقية الشؤون الأخرى، لأن المثقفين يمثلون حراس البوابة أو النخبة التي تقود المجتمعات، وحين يجعلون أمرا ما سلوكا قويما ومنهجا في تعاطيهم الفكري مع القضايا فهناك حشود كبيرة من المتلقين تقتدي بنهجهم، ولذلك يطلق عليهم قادة الرأي العام.وفي الواقع أصبح النقد هو الفريضة الغائبة التي يجب أن نعمل جميعا، مثقفين ومفكرين وأدباء وأفرادا، من أجل التعاطي معه بإيجابية، فهو ليس عيبا، ويختلف كلية عن الانتقاد الذي يحتمل هجوما غير موضوعي على الموضوع الإنساني من طرف تجاه طرف آخر، وهو لا يضيف شيئا بقدر ما يعكر ويسمم الأجواء، ما يجعله رذيلة وليس فضيلة كالنقد، وقديما قيل "رحم الله امرأ أهدى اليّ عيوبي" أيّا كانت هذه العيوب شخصية أو تتعلق بعمل يهم المجتمع أو تصرفا يكتسب الصورة الجماعية، ومن المهم أن نتقبّل ذلك لأنه يضيء ما لا نراه، وليس العكس بحيث يحبط أو يصيبنا بالكراهية للطرف الناقد، فإن كان مصيبا فقد أفادنا، وإن كان مخطئا فلنقل "الله يسامحه".