ما كل ما يلمع ذهباً
مفردات هذا المثل مأخوذة من الفهم العربي القديم لكون الذهب أغلى المعادن وأنفس الممتلكات، حتى أصبح العرب يبالغون في وصف الأشياء الثمينة، بأنها تساوي وزنها ذهباً، أو الأعطيات الجزيلة بأنهم كانوا يعطون المرء قدر وزنه من هذا المعدن النفيس، أو هو المال بإطلاقه. كما أن اللمعان مغرٍ للعرب والشرقيين بوجه عام، لذا نرى نساءهم يلبسن كثيراً من الذهب البراق من الأساور والقلائد والأقراط المرصعة بهذا المعدن اللامع، ويرتدين الملابس الفوسفورية، وذات الألوان الشديدة الجاذبية، دون أن يكفي في ذلك الحلي الهادئة الألوان، أو الألبسة غير الفاقعة في ألوانها.كيف سيكون الوضع مع الاندماج في المؤسسات الأكثر تعقيداً في قضايا التنسيق الأمنيلكن مجال استخدامي هذا المثل سيكون مقصوراً على ما يتناوله الإعلام الخليجي والعربي، وربما العالمي عن دبي بشكل خاص، والإمارات العربية المتحدة بوجه عام. فأغلب المحللين والكتاب وحتى المسافرين ومن يعرفهم يتناولون نموذج دبي الإيجابي، ويعممونه على الإمارات في مسعى لإيجاد القدوة لكثير من البلدان العربية المتعثرة في التنظيم أو التنمية. فهل هذا النموذج متطور في كل النواحي، وقدوة فعلاً لمن أراد أن يحتذيه؟ سآخذ الآن جانباً ربما لا يظهر كثيراً في الإعلام، وهو تعامل إدارات الجمارك الإماراتية (وعلى وجه الخصوص التابعة لإمارة أبو ظبي) مثالاً؛ فالذي يسمع عن تسيير الأمور بالحكومة الالكترونية في دبي قبل عقد من الزمان تقريباً، وأنهم الآن قد أنشأوا الحكومة الذكية (متجاوزين مرحلة الحكومة الالكترونية الأولى) لا يتوقع أن تكون حال تلك الجمارك بوضع سيئ في التعامل والإنجاز والتجهيزات، خاصة أن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي – الرجل الذي يضرب بطموحاته الإدارية والتنظيمية المثل – هو رئيس حكومة الإمارات. لكن واقعها يدعو إلى الاستغراب، وربما يكون مخجلاً إزاء الصورة التي انطبعت عن نموذج هذا الحاكم والإمارة، والبلد بكامله لدى السعوديين والعمانيين (مجاوري الإمارات على الحدود البرية)، وربما أيضاً لدى أغلب البلدان العربية والإقليمية والعالمية على حد سواء. فالتنظيم في تلك المنافذ سيئ وغير حضاري وقليل الوضوح؛ بدءاً من الدخول إلى أي منها، حيث لا توجد اللوحات الإرشادية الكافية إلى الخدمات المختلفة، وأغلب المكاتب في حالة تشبه المؤقتة، وكأنهم راحلون عنها قريباً، ويدخل المراجع إلى تلك المكاتب بين حطام الأبنية وحواجز السيارات، وبممرات غير مجهزة للمشاة على الإطلاق. وعندما يجد المرء نفسه في مكان لا يهتدي فيه إلى من يقدم إليه الخدمة، فإن الردود تأتي بأن كل من يصل إلى هنا يسأل حتى يهتدي إلى المكان الذي عليه أن يقدم الأوراق فيه. فما دامت الحاجة كبيرة إلى السؤال في تلك المواقع، فإن ضرورة وضع اللوحات المفيدة، والمفصلة بكل الحالات المختلفة ملحة جداً، لكيلا تضيع الأوقات والجهود في البحث والسؤال، والوقوف في طوابير قد لا تكون صحيحة. هذه ليست سياسة محمد بن راشد المعلنة والمبجلة محلياً وعالمياً. ومع وجود مكاتب لإدارات الجمارك الحكومية، فإن تلك المكاتب تحيلك إلى كشكات تجارية؛ يشتغل فيها أناس لا يهمهم إلا المال، وليست مرتبة أو نظيفة أو تليق بمنفذ للإمارات العربية المتحدة. لا أماكن للانتظار ولا نظافة في المكان أو سعة فيه، ولا حتى سلامة من التدخين والروائح المزعجة، وفوق كل ذلك تجد عند أبوابها كنبات ممزقة، وكأنها تعطي عنواناً لنوع الخدمة، وبالطبع تسيء إلى الجهة التي تحيل إليها. ثم إن الإجراءات المتبعة فيها بعد عن التقارب المزعوم بين بلدان مجلس التعاون الخليجي، الذي يرغب الوحدويون فيه أن يتحول إلى كيان واحد. فأول ما يفاجئك فيه أن تطلب الإمارات، التي هي بلد عبور بين عمان والسعودية رسم عبور بين البلدين (رغم الاتحاد الجمركي الذي تم إقراره بوصفه واحداً من منجزات هذه المنظمة في العقود الثلاثة الماضية)، كما تشترط عليك أن تعبر خلال ثلاثة أيام، وتأخذ عليك تأميناً يساوي خمسة بالمائة من قيمة البضاعة، التي ستمر بأراضيها، حتى وإن كانت ممتلكات شخصية. وعندما تأتي إلى منفذ الخروج من الإمارات العربية المتحدة، فإن إجراءات أخرى تتم، وبالاستعانة بالمكاتب التجارية نفسها، وبالأوضاع المقاربة لمنفذ الدخول، وكأن إدارة الجمارك لا تريد أن تنجز هذه الأعمال المتعبة، لكي يبقى العابر هو من يتفاهم مع أصحاب تلك المكاتب، وهي في أوضاع غير مريحة، ولا متناسبة – كما قلنا – مع مستوى سمعة الإمارات، وما يعرفه الناس عنها في الإعلام والمعايشة بالداخل. هذا لا يعني أن أوضاع الجمارك المقابلة في السعودية أفضل حالاً، لكن الناس تعودت من الإدارة في الإمارات حداثة في التنظيم، وسلاسة في الإجراءات، وعملانية في التفكير، واهتماماً بالمظهر، مع سعي للمنافسة نحو الوضع الأجود، وهو ما لم يتم في وضع هذه المنافذ والإجراءات المتبعة فيها. ثم إن نظرة أخرى إلى إنجازات مجلس التعاون، التي تركزت فيما يقال على تسهيل دخول المواطنين من بلد إلى آخر بالبطاقة الشخصية دون الحاجة إلى جواز السفر، واتفاقية الاتحاد الجمركي، التي أخذت وقتاً طويلاً حتى أنجزت؛ ثم يكون هذا هو ناتجها. فكيف سيكون الحال مع الوحدة النقدية، التي يجري الحديث بشأنها؟ وكيف سيكون الوضع مع الاندماج في المؤسسات الأكثر تعقيداً في قضايا التنسيق الأمني، والقوات المسلحة مما يدخل أكثر من غيره في اعتبارات السيادة، إذا كان ما تم تنفيذه فعلاً، والتوقيع عليه ضمن اتفاقية بين جميع بلدان المجلس لم يجر التعامل معه في إطار نظام موحد وسلس ومقبول للمواطنين بالدرجة الأولى؟.