إنسان ما بعد ستيف جوبز
لا شك أن كثيراً من القراء يعرفون تصنيفات الإنسان والفكر البشري مقسماً حسب عصور التدرج في الحداثة؛ إما بالتقسيم التاريخي الذي يصف حقب ما قبل التنوير بعصر ما قبل الحداثة، ثم بدءاً من عصر التنوير وثورة العقل، وتسخير الآلة لخدمة الإنسان؛ أي الاعتماد على الدماغ بدلاً من بقائه حبيساً للقدرة العضلية، أصبح يطلق على تلك الفترة عصر الحداثة. وفي طفرات تحكم الآلة في الإنسان أكثر من تحكمه فيها، انساق البشر إلى اضطراب في مراحل التطور، وهو ما يعرف بعصر ما بعد الحداثة. هناك من يرى تداخلاً في تلك المراحل مع حقب الزمن التاريخية، وعلى وجه الخصوص، إذا أخذنا في الحسبان تفاوت المجتمعات البشرية في نصيبها من وسائل الحداثة، أو من طرق التفكير وفقاً لمعايير المرحلة المختلفة بين ثقافة وأخرى، حتى في الحقبة الزمنية الواحدة. فمثلاً كان نيتشه يُنظر إليه بوصفه رائداً لعصر ما بعد الحداثة، بالرغم من أنه كان قد عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ لكن أفكاره المجنونة في طرق تحليل حياة الناس، وأنظمتها الاجتماعية والمؤسساتية قد خرجت عن المألوف في عصره. بل إنها شكلت منعطفاً اعتمد عليه رواد فكر ما بعد الحداثة في النصف الثاني من القرن العشرين.يعد القرن الحادي والعشرون تصنيفاً من زمن ما بعد الحداثةومما يجدر ذكره أن البشر ليسوا في مستوى واحد من مستويات التلقي لأطر الحداثة في تشكيل الفكر، أو أنماط الحياة؛ إذ تتعدد الثقافات في مدى قابليتها لتطوير أساليب الحياة الاجتماعية، والقدرة على مواكبة ما يتوصل إليه الآخرون من وسائل أو قوالب مستجدة في طرق التعامل مع الحياة ومشكلاتها. كما أن معوقات التنمية، وعدم القدرة على إنشاء مؤسسات تعليمية مرنة وقوية الفاعلية تسهم في رفع جدران التخلف، وبالتالي البقاء في الأنماط المؤطرة لحياة الأجيال السابقة بحجج متعددة. قد تكون دعاوى الأصالة والحفاظ على التراث والتقاليد ضمن تلك التبريرات لعدم الانعتاق من قيود منع التحديث، أو التفكير في الانخراط في أي من مراحله. ويعد القرن الحادي والعشرون تصنيفاً من زمن ما بعد الحداثة، لكن شخصاً عبقرياً اسمه ستيف جوبز قد حوّل العقد الأول من هذا القرن إلى ثورة "سوبر حداثية" داخل عصر ما بعد الحداثة؛ أو إن أردنا القول إنه حقق للإنسان المعاصر طفرة لم يكن رواد الخيال العلمي يحلمون بتصورها. طبعاً هذه "السوبر حداثة" قلبت موازين الناس، وغيرت طبائع الأشياء، وجددت وسائل التواصل وآليات تنفيذ المصالح في تشابك أنشأ حياة جديدة فعلياً. فرأينا الآن تطبيقات كثيرة مثل التخليص الذاتي للمعاملات البنكية، وإنجاز كثير من الأمور، التي كان إنجازها يتطلب أوقاتاً طويلة وجهوداً مضنية. فقد حوّل هذا المبتكر جهاز الاتصال الذي كان الوصول إليه طفرة صناعية مهمة، من وسيلة للمكالمات، أو بعث الرسائل وبعض الوسائط الالكترونية كالصور والملفات والروابط، إلى وسيلة تنفيذ آمنة وسهلة لما يريد المرء فعله في البنك، أو في بعض المؤسسات التجارية، بل وفي كثير من المؤسسات الحكومية، التي كانت تتحفظ كثيراً على عدم حضور الناس وجهاً لوجه لإنجاز أعمالهم بأنفسهم. فقد أصبح رفيقاً للناس يحفظ أسرارهم، ويساعدهم في إنجاز أعمالهم، وفي إرشادهم إلى الطريق مشياً، أو بالسيارة بين المدن، أو في شوارع المدينة، أو حتى في البحث عن مطعم أو مركز تجاري، أو سلعة محددة من شركة مصنعة. فقد تجاوز كل الحدود الممكنة في خدمة الأفراد المستخدمين، وفي التسهيل أيضاً على المؤسسات التي تقوم بتقديم تلك الخدمات. ومن الأوصاف التي أصبحت تطلق على تلك الأجهزة الذكية، أنها أصبحت هي المنقذة في حالات الاضطرار إلى خدمة سريعة، أو الوصول إلى هدف جغرافي معين، أو إنجاز أكثر من مهمة في أوقات قصيرة. إذ يمكن أن تصور الأشياء، وترسل بواسطة الانترنت إلى أماكن أخرى، للمعاينة، واتخاذ القرار أو طلب المشورة، إلى غير ذلك من أوجه الانتفاع، التي جعلت هذه الأجهزة توصف بأنها تحقق المعجزات في عصرنا الحاضر. لكن من جهة أخرى كيف غيّرت هذه التحولات طبائع البشر؟ وكيف حوّلت سلوك الناس إلى أنماط لم تكن متصورة إلى عهد قريب من هذا العصر؟ وكيف أثّرت أيضاً في الأحوال الصحية أو عادات الناس في الجلوس والوقوف والانتظار؟ ثم هل زادت هذه الأجهزة الذكية من ذكاء الإنسان، أم قللت من قدراته على التفكير؟. في الواقع أن الناس قد تغيروا كثيراً بعد انخراطهم في استخدامات هذا الجهاز اليدوي الصغير والسهل النقل، والبسيط في وسائل الانتفاع به كثيراً. فبعد أن كان الناس يتعهدون بعضهم بالزيارات المباشرة، أو الوقوف العاجل عند أبواب الأماكن العامة للتحدث قليلاً، أو الممازحة والضحك، أو في أقل الحالات المكالمة الهاتفية لمن يبعد عن الآخر في المكان، أو يطول به الوقت دون أن يراه؛ فأصبحوا يكتفون برسالة الكترونية، أو إحدى الوسائط الممكنة بأحد البرامج، التي تنقل الصور والرموز، وأحياناً البرودكاستات المشتركة مع عدد من الناس، دون الاهتمام بالجانب الفردي والعلاقة الشخصية. أما سلوك الناس فقد شابه كثير من التغيير؛ إذ صار مستخدمو هذه الأجهزة، خاصة من ذوي الفئات العمرية الصغيرة والمتوسطة، غارقين في استخدامها فيما تصلح له، أو فيما يوجد ما هو أنسب منها استخداماً؛ وفي وقتها وغير وقتها، كما طغت عادات صحية رديئة في الإدمان عليها، وطريقة الجلوس والانحناء، عدا عن التشويش الذهني وتركيز النظر الدائم إليها.