د. فالح العجمي

كيف تتبخر التخصصات؟

كانت الأحاديث خلال العقد الماضي في جامعة الملك سعود وبعض الجامعات الأخرى، التي توجد بها كليات للزراعة، تدور بشأن إغلاق تلك الكليات، أو نقلها إلى بعض المناطق التي يعتمد اقتصادها على الزراعة، وتكثر فيها المياه أو الأمطار، مثل المنطقة الجنوبية. وأصبحت المطالبات بهذا الشأن علنية، والخطط موضوعة، بل ربما بدئ في بعضها، لولا المعارضة التي لقيها القرار من بعض منسوبي تلك الكليات في المدن الكبيرة، أن يقرر الإداريون بشأنهم في لحظة معينة، فيما هو بحاجة إلى خطط مرحلية، ودراسات يشترك فيها أصحاب الشأن قبل غيرهم. هكذا نحن انفعاليون في أغلب أمورنا! ما أن يكثر الفائض قليلاً في تخصص ما عن حاجة السوق الآنية، حتى تبدأ الأصوات تتعالى مطالبة بإقفال تلك التخصصات، التي يردد العامة، ومعهم – للأسف – بعض المسؤولين، بأنه لا حاجة إليها، ولا توجد وظائف لخريجيها، فمن الأجدى إقفالها. وكأن تلك الأقسام الأكاديمية متاجر تقفل إذا قلّ عدد المشترين منها، أو نقصت عوائدها في آخر العام.التاريخ لم يعد تخصصاً ذا مسار واحد. أما الجغرافيا فقد أصبحت علوماً تطبيقية وللأسف أن هذه السرعة في التطبيق، أو نقل الأفكار إلى الواقع لا تجري في الحالات التي يكون الناس فيها، والأمور المعنية بحاجة إلى سرعة في الإنجاز، وعدم تفويت الفرص في المنافسة، أو حصول بعض الناس على حقوقهم، أو حتى مما يرتبط بأمور عاجلة مثل العلاج، الذي قد يتضرر بعض الناس من تأجيله، أو عدم البت فيه بسرعة. فليتنا نتعلم ترتيب الأولويات في التنفيذ الفوري أو المتدرج بشأن الأمور المختلفة في أهميتها لشرائح متعددة من المعنيين بها، أو في كونها قابلة للتأخير أو عدمه. فهذه الاستراتيجيات تدرس في أغلب أقسام إدارة الأعمال، لكنها لا تطبق في الترتيب الزمني للقرارات. لم يفكر كثير منا، بما في ذلك المسؤولون عن بعض تلك الأقسام العلمية في الجامعات، بأن تفتح مسارات متداخلة بين تخصصات متعددة، أو تحوّر بعض مساقاتها، لتكون مناسبة للتطورات الحاصلة في واقع الحياة العملي، أو الحاجة المحلية لكوادر مختلفة عما كانت عليه الحال عند وضع خططها وتسميات التخصصات حين الموافقة عليها وبدء برامجها. ففي المثال السابق يظن كثير من الناس أن الزراعة لا يتخرج فيها إلا مهندسون زراعيون، بينما هي في بلدان متعددة تحتوي تخصصات متعددة، وتفيد في تخريج أناس ليس لهم علاقة بالزراعة على الإطلاق. إذ تعددت مسارات الدراسة فيها مع تطور العلوم الزراعية، لتشمل تخصصات مثل: التربة، والأغذية، وعلوم البحار (في اشتراك أيضاً مع ما تدرسه بعض تخصصات كلية العلوم). فلو كنا طورنا مثل هذه الأفكار في فورة عدم الإقبال على كليات الزراعة، والتناقص الشديد في عدد طلابها، وفي خضم خطط إعادة الغربلة والدمج والتسميات، لكنا قد وفرنا لأنفسنا تخصصات جديدة تتناسب مع حاجات المجتمع المتزايدة إلى متخصصين في التربة، ليعملوا في البلديات، التي ستحتاج بالتأكيد إلى بعض ذوي المعرفة بخصائص التربة وطبوغرافية الأماكن من أجل فسوحات البناء، واختيار أفضل الأماكن للمنشآت المختلفة، وكذلك العناية ببيئتها الحيوية، التي لن تجد خيراً من متخصص في التربة ومكونات الجمال البيئي. كما كنا سنحمد لأنفسنا ذلك التفكير، عندما حلت بنا كوارث السيول والآبار، التي أصبحت تبتلع البشر، ولا نجد متخصصين في شؤون التربة إلا بالاستعانة بشركة أرامكو النفطية، التي تعنى بما تحت التربة، وليس بسطحها وطبقاتها العلوية. والأمر نفسه ينطبق على تخصصات مثل "الأغذية" في الكلية التي اتخذناها مثالاً؛ فالمتخصصون فيها سينهلون من بعض دراسات العلوم الحيوية والطبية من جهة، ومن التقدم في دراسات الغذاء الطبيعي من جهة أخرى. ومثل هؤلاء سيجدون وظائف بسهولة في مؤسسات المعايرة الغذائية ومراقبة الأسواق الغذائية وفي الأندية الصحية والرياضية، وحتى في المستشفيات والمدارس والمطاعم المعدة لتغذية منسوبي بعض الجهات العسكرية أو التعليمية، بالإضافة إلى الاهتمام بالتغذية في الحفلات العامة والخاصة والمناسبات وطرق ترشيدها، والاستفادة من الدراسات التراكمية في هذا الشأن محلياً على أقل تقدير. علماً أن هذه الجهات لا تكاد تجد من المتخصصين المتفرغين للعمل فيها وبجدارة إلا قليلاً من الناس غير المتفرغين، كما أن بعض هذه المجالات لا يوجد فيها متخصصون، ولا يظن بعض الناس أهمية وجودهم إلا بعد معرفة أثر ما يمكنهم أن يعملوه. أما دراسة الشؤون المختصة بعلوم البحار، فهي قد تفيد في مجالات منها الزراعة السمكية، والحفاظ على بعض الكائنات البحرية، وقد أصبحت من الأمور التي تتعدى الحدود الوطنية؛ حيث صارت تهتم بها منظمات إقليمية ودولية، ومعاهدات بيئية تستلزم معرفة بكثير من المعارف المتصلة ببعض أساليب عيش تلك الكائنات، وأثرها في التوازن البيئي المطلوب في البحار. فالتخصصات العلمية تتجدد باستمرار، وربما تتغير بعض خططها، لكنها لا تُقفل أو تُهمل إلا في المجتمعات المؤقتة، التي لا تعترف بحاجة العلوم إلى البناء التراكمي. فحين يجري إهمال أي علم في حقبة ما، فإنه لا يمكن استعادة وضع متقدم فيه في الوقت الذي يريده المجتمع. فقد تعالت أصوات أيضاً قبل حين بترك الاهتمام ببعض العلوم الإنسانية، مثل التاريخ والجغرافيا لعدم وجود وظائف لخريجيها، لظن الناس أن خريجي هذه الأقسام لا تستوعبهم إلا وظائف التعليم، ليقوموا بتدريس مواد التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية. بينما تغيرت أوضاع هذه العلوم؛ فالتاريخ لم يعد تخصصاً ذا مسار واحد. أما الجغرافيا فقد أصبحت علوماً تطبيقية.