حسن السبع

موظف في صلابة رجل آلي

الحماقات الإلكترونية كثيرة، وليس غريبا أن يسجل الحاسب الآلي بالخطأ وفاة (س) من الناس ليجد نفسه في عداد الأموات. الغريب هو أن يحاول (س) إقناع الموظف بأنه حي يرزق، فلا يصغي الموظف لما يقوله (المتوفى) الماثل أمامه بلحمه وشحمه. وإذا توفي شخص ما -ولو بالخطأ- في هذا العصر الإلكتروني،  فهو في حكم المتوفى لدى مصلحة الضمان الاجتماعي، ومصلحة معاشات التقاعد، والبنوك، وكل المؤسسات الخدمية والأمنية. وقد يدخل في متاهة بيروقراطية حتى يستعيد "وجوده" إلكترونيا. لا يلام الموظف إذا طبق الأنظمة، لكنه ينبغي أن يلام إذا وقف من مشكلة العميل موقف المتفرج، ولم يجتهد في تقصي الخطأ وإيجاد الحل. غير أننا قد نجد أنفسنا، أحيانا، إزاء موقفين متناقضين؛ موقف الموظف وموقف العميل. فالأول قد يطبق النظام حرفيا ودون مراعاة لبعض الظروف والحالات. وهو موقف بعيد عن روح النظام. والثاني لا يهمه أن تُنتهك الأنظمة خدمةً لمصالحه الخاصة. كلا الموقفين خاطئ. فقد شُرّعت الأنظمة لخدمة الناس، وليس لتنغيص عيشهم. كما أنها لم تُشرَّع لتنتهك فيُستثنى السيد (ص) لأن على رأسه ريشة، وتطبق على المدعو (س) لأنه مقطوع من شجرة. كلمة "المدعو" في حد ذاتها غير لائقة، فهي توحي لمن تطلق عليه بأنه نكرة أو رقم من الأرقام. من يتأمل هذا الحوار يجد أن الموظف ينفذ التعليمات بصرامة لا مجال فيها للاجتهاديصور الكاتب الأمريكي جون شتاينبك تلك الصلابة البيروقراطية في واحدة من قصصه، فيقول: "لم أهرّب شيئا في حياتي، لكني أشعر دائما أني قد ارتكبت جرما ما كلما اقتربت من جمارك الحدود". توجد أسباب كثيرة لهذا الشعور الذي يشير إليه شتاينبك، لكن يبدو لي أن أهم تلك الأسباب هو وعورة طباع بعض الموظفين المسؤولين عن تنفيذ الأنظمة. فقد تشعر أحيانا أنك تقف أمام شخص يخاطبك من عليائه، ويبحث عن أي مشجب يعلق عليه تعطيل مصلحتك.رُهاب الوقوف أمام هذه الفئة من الموظفين قد تدفع العميل إلى الحيطة، فيصطحب ما في حوزته من مستندات، بدءا بشهادة التطعيم ضد جنون البقر، وانتهاء بفاتورة الماء والكهرباء. وإذا كان الأمر يتطلب إحضار صورة، وكنتَ تستخدم نظارة طبية، فالحكمة تقتضي إحضار صورتين واحدة بنظارة، والأخرى بدون نظارة، وعلى الموظف أن يختار. (هذه ليست نكتة فقد حصل لي ذلك شخصيا في إحدى إدارات القطاع العام وكان تصرفي صائبا).أعود إلى حكاية شتاينبك، فقد كان يودّ رؤية شلالات نياجرا على الحدود الأمريكية الكندية، وحدث أن سافر بصحبة كلبه العجوز المحصَّن ضدّ داء الكَلَب. لكنه نسي إحضار شهادة التطعيم. وقد حذره رجل الجمارك الأمريكي من عدم تجاوز الحدود بالكلب مادام لا يحمل تلك الشهادة. حاول الرجل الاستعانة بالمنطق قائلا: "لكني سأدخل جزءا صغيرا من كندا وسأعود إلى أمريكا حالا". قال الموظف بغطرسة: "تستطيع أن تأخذ الكلب معك إلى كندا، لكن لن يُسمحَ لك بالعودة به إلى أمريكا". قال صاحبنا: "لكني لم أزل في أمريكا، ولا توجد عليّ أية مؤاخذة". قال الموظف: "ستكون هناك مؤاخذة عندما تعود ثانية"!ومن يتأمل هذا الحوار يجد أن الموظف ينفذ التعليمات بصرامة لا مجال فيها للاجتهاد، مع أن القوانين وضعت لخدمة الإنسان وليس للتنكيل به. كما أن المرونة ليست ضعفا بل قوة موجهة لتعمل بشكل صحيح. تتصلب حين تصبح الصلابة لازمة، وتلين في موضع الرفق والرقة واللين.