سكينه المشيخص

مصر بعد الاستفتاء

القاعدة الأساسية في كل العملية التفاعلية في مصر هي أن تصل البلاد الى خاتمة خارطة الطريق لتلتقط جائزتها من الاستقرار والسلام والأمن الاجتماعي، ولذلك فإن الاستفتاء على الدستور من العمليات المفصلية التي تحدد شكل الدولة وتضعها في مسار سليم باتجاه الاستحقاقات الرئاسية والبرلمانية، فقد عانت مصر كثيرا في الفترة الأخيرة، وسواء كان هناك جدل، ولا يزال، حول سلامة وسلاسة الإجراءات الديمقراطية وجدواها في ميزان الشرعية، إلا أن إعادة البلد الى وضعه الطبيعي يبدأ من النتيجة الحاسمة بالموافقة على الدستور.أصبح هناك أمر واقع جديد يجب احترامه وتأسيس دولة القانون والاستفادة من أخطاء الماضيالمظاهر الاحتفالية في شوارع القاهرة تعكس جانبا مهما من فرحة البسطاء بالوصول الى ما ينبغي أن يتساوى فيه الجميع، إنه الوثيقة الأهم التي تحكم وتحدد نمط حياة المصريين وممارستهم لشؤونهم، فالدستور مرجعية لكل تفصيل خاص بالتنوع السكاني في معتقداته واتجاهاته الفكرية وحتى أسلوب الحياة، ومشاركة أطياف واسعة من الرموز والعينات الاجتماعية في صياغته توفر له قبولا مناسبا ليكون مرجع الجميع في كل أحوالهم وأدوارهم في تنمية بلدهم، وذلك هو جوهر الاستقرار الذي يتوفر حين ينتظم الشعب ويخضع لسلطة تشريع متوافق عليه ويمثل الأغلبية.ليست هناك من شبهات حول إخراج الموافقة الدستورية النهائية وبالتالي سلامة الدستور من تشويهات عدم النزاهة، وذلك يؤكد أن مصر عادت الى السير في الطريق الذي رسمته لعودة الحياة الى طبيعتها، والعملية الانتاجية الى الدوران، ومن فاته حظ انتخابي وفقا للشرعية يمكنه إدراكه في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، دون اشتراطات ومساومات مسبقة لأن ذلك يعكر المزاج الشعبي العام وينتج من جديد نوعا من الاحتقان الذي يؤدي بدوره الى تجاوز الدستور، وكل يوم بعد إقرار الدستور وفقا للإرادة الشعبية يعتبر ميلادا جديدا لمصر وشعبها، وكتابة تاريخ جديد يعبر الناس فيه النفق الذي كانوا فيه من تعطيل للحياة العامة واستقطاب غير صحي للأجندة السياسية على حساب سلامة الوطن واستقراره.لم يعد بالإمكان الرجوع الى الوراء في مصر، وأصبح هناك أمر واقع جديد يجب احترامه وتأسيس دولة القانون والاستفادة من أخطاء الماضي، والتخلص من المساومات السياسية التي ترهق كاهل الدولة وتربك السلطة القادمة التي يجب أن تتفرغ للانتاج والعمل، ويمكن تحصيل المكاسب السياسية بطريقة حضارية من خلال إقناع الناس ببرامج واقعية، فإن قبلوا بها فإنها رصيد لدورة انتخابية مقبلة في الرئاسة أو البرلمان، ولكن إذا توقف السياسيون والجماعات التي تم رفضها عند احتقانات الماضي فلن تمضي مصر الى أمنها بسلام.مطلوب أن تتأسس عدالة موضوعية، وأن تشمل السلطة بنظامها وقوانينها جميع المصريين وتعيد اليهم أي حقوق يقرها القانون، ووفقا لمقتضيات حقوق الإنسان، وحين يحدث ذلك تصبح مصر أكثر نزاهة وقدرة على مواجهة تحدياتها بحيث يعمل جميع المصريون كما عهدناهم من أجل بلادهم وبذل حبهم لها، وقد عرفوا بذلك خاصة بعد أن قدموا للعالم ثورة نموذجية في رفض الاستبداد والظلم، وينبغي عليهم أن يحافظوا على هذا المنجز بإظهار مزيد من السلوك الحضاري في التعبير عن منقوصاتهم الحقوقية والمطالبة بها بحسب المرجعيات الدستورية والعدلية، ودون ذلك تضعف آمال الاستقرار، فليست الحرية أن يحصل كل مواطن على حق على حساب المصالح الوطنية العليا.