خليل الفزيع

العقيل .. والدعوة للخير

سبحان الذي منح العباد نعمة طاعته، ومنّ عليهم بفضل عبادته، واختار لهم الإسلام دينا، وسخر له رجالا أعلوا رايته، ونذروا أنفسهم لخدمته، بعيدا عن أضواء الشهرة، وضجيج الإعلام، وزوابع الخصومات، ومن هؤلاء: الراحل الشيخ عبدالرحمن بن سعد العقيل، وهو من أبرز أعلام الجفر، ومن أشهر شخصيات الأحساء، والذي اختاره الله إلى جواره في نهاية الأسبوع الماضي، وبفقده فقد الوطن واحدا من رجاله المخلصين، وابنا من أبنائه الأوفياء، الذين سخروا أنفسهم للخير وإعلاء كلمة الحق، وخدمة البلاد والعباد، وما من كتاب ألفه إلا ويشكل توجها دعويا واضحا، وما من منبر اعتلاه إلا وكان فيه ذلك الخطيب المميز الداعي للتقيد بوسطية الإسلام وسماحته، وما من مجلس حضره، إلا وكانت له فيه كلمة تدعو إلى الخير، وتحث على الصلاح، وتؤكد على الاقتداء بالسلف الصالح، ضاربا في هذا المجال المثل تلو المثل من حياة الأنبياء والصالحين، مستشهدا بسير وأقوال وحوادث من التاريخ الإسلامي الزاخر بعظيم الأمثلة، وصحيح الروايات، مما يدعو إلى التأمل ويستوجب الاقتداء.الشيخ العقيل تتلمذت على يديه أجيال من أبناء هذا الوطن، الذين تسنموا قيادات بارزة في مؤسسات البلاد الحكومية والأهليةوالشيخ العقيل تتلمذت على يديه أجيال من أبناء هذا الوطن، الذين تسنموا قيادات بارزة في مؤسسات البلاد الحكومية والأهلية، وما زالوا يعترفون بفضله، ويذكرون مواقفه معهم بالخير والامتنان، فقد أمضى الشطر الأكبر من حياته في التدريس، ثم في الإدارة المدرسية، ثم في الإدارة العامة للتربية والتعليم، إلى أن تقاعد لينصرف إلى العمل الدعوي تأليفا وخطابة وكتابة في الصحف، وطوال فترة عمله لم ينقطع عن التعلم، والتزود من مناهل المعرفة بالعلم النافع، والتجربة العملية التي أثرت حياته، ومن أجل ذلك سافر إلى الرياض والطائف وبيروت وأمريكا، في بعثات علمية ساعدت على تعميق نظرته للدين والحياة.بدأت علاقته بالصحافة في وقت مبكر، وكتب في مجلة "الإشعاع" و"الخليج العربي" في ستينيات القرن الميلادي الماضي، وواصل اهتمامه بالكتابة الصحفية ثم بالتأليف، وظهرت له عدة كتب في الدين والتربية والأدب والثقافة العامة، ويعتبر كتابه عن بلدته "الجفر.. ماضيها وحاضرها" هو المرجع الوحيد عن هذه البلدة، وبذل جهدا كبيرا في جمع مادة كتابه "الأحساء في عيون الشعراء" وهو دقيق جدا في متابعة طباعة كتبه، وشديد الإصرار على ظهور مؤلفات خالية من الأخطاء المطبعية، حتى الهفوات الطفيفة فإنه يعيد تصحيح وطباعة صفحاتها، وفي حالة انتهاء الكتاب من المطبعة، فإنه لا يتردد عن تفكيكه وتجليده من جديد، سعيا وراء الكمال والكمال لله وحده.وهو كريم الخلق، سخي اليد، لم تنقطع مساهماته المادية في بعض الجمعيات الخيرية، وكثيرا ما يستضيف في منزله العامر أصدقاءه ومحبيه، وزملاءه القدامى، حيث يتحول منزله إلى منتدى ثقافي تطرح وتناقش فيه قضايا الفكر، وذكريات التربية والتعليم، ومما يحمد له أنه كان من أشد الناس بغضا للطائفية والمذهبية، وكل ما يميز بين أفراد المجتمع، ويفرق كلمتهم، ويزرع الأحقاد في قلوبهم، ويشتت جهودهم عن العمل الوطني الذي يتطلب تكاتف الجميع لبناء المجتمع المتكافل، والمتضامن في وجه تحديات الظروف الشرسة التي يمر بها العرب والمسلمون في هذا العصر، وفي مجلسه كان يلتقي الجميع على المحبة والخير، ورغم حالته الصحية فقد كان لا يترك مناسبة يعلم بها إلا ويحضرها، ليشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم، وهو كثير الحضور لمجالس الفكر ومنتديات الثقافة، لذلك أحبه الناس كما أحبهم، واحترموه كما احترمهم، ومن نعم الله على الإنسان انه إذا أحب عبده حبب الناس إليه. ومما لا ينسى لأبي محمود أنه يردد دائما: "الحمد لله" وهي عبارة لا تكاد تفارق لسانه، ليس فقط في سراء الأمور أو ضرائها، بل في كل مناسبة صغيرة أو كبيرة، إيمانا منه بوجوب الحمد والشكر لله رب العالمين على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. رحمك الله يا أبا محمود.. وأسكنك فسيح جناته، فقد كنت أخا وصديقا لكل من عرفك، ولنا في أبنائك ما يعوضنا إن شاء الله عن فقدك الكبير.